خاصَّةً، ولم يقل: وإنْ تُخفوها فهو خيرٌ لكم، فإنَّ مِنَ الصَّدقةِ ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيزِ جيشٍ وبناءِ قنطرةٍ وإجراءِ نهرٍ أو غير ذلك" [1] ."
من خلال أقوالِ العلماءِ في المسألة يبدو أنَّ أكثرَ العلماءِ يرون أنَّ الأفضلَ في الصَّدقاتِ الواجبة الإظهارُ، وأمَّا في سائرِ الصدقاتِ المندوبةِ والمستحَبةِ فالأفضلُ فيها الإخفاءُ والإسرارُ، وهذا في الأحوال العادية، أمَّا في أحوالٍ أخرى استثنائيةٍ فيمكن النظرُ في المصلحة المتحقِّقة بين إخفاءِ أو إسرارِ الصَّدقةِ الواجبةِ أو النافلةِ، وذلك على التفصيل الذي ذكره الإمام أبو بكر ابن العربي فيما تمَّ نقلُه عنه في الأسطر السابقة، وهذا ما يذهب إليه الباحثُ ويراه راجحًا.
آيات الإنفاق في السر والعلانية وتربيتها لِنَفْسِ المُنفِِق:
يُلاحَظ في آياتِ الإنفاقِ في القرآنِ الكريمِ عامَّةً من خلالِ التأمُّلِ والتدبرِ أنها كثيرًا ما تربط بين عملية الإنفاق وبين تربية الأفراد وتوجيهِهم سلوكيًا، وهذا يشير إلى أهمية الدور التربوي في نشاط الإنفاق بشكلٍ خاص وفي سائر الأنشطة الاقتصادية بشكل عام.
والنَّفْسُ البشرية لَمَّا كان من طِباعِها حبُّ الثناءِ والمحمدةِ من الناس والرغبة في تعجيلِ الشكر منهم جاءتْ آياتُ الإنفاقِ لكي تُعالِجَ هذا الجانبَ وتُزكيَه وتُروِّضَه على ما هو أسمى وأعلى، فَدَعتْ الآياتُ القرآنيةُ المؤمنينَ إلى الإنفاق في السر والخفاء بعيدًا عن أعين الناس، بل كلُّ آياتِ الإنفاقِ قدَّمتْ في سياقِها الإنفاقَ سرًا على الإنفاقِ جهرًا، وذلك للإشارة إلى أفضلية إنفاق السِّر، وذلك كما في قولِه - سبحانه وتعالى: قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
(1) ابن القيم، محمد بن أبي بكر: التفسير القيِّم للإمام ابن القيم ص 170، جَمَعَه: محمد أويس الندوي، دار الرائد العربي، بيروت، ط1، 1408هـ - 1988م.