الصفحة 5 من 11

سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ [1] ، وقولِه - سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [2] .

فالإنفاق في السر يُرَبِّي في نَفْسِ المنفِقِ الإخلاصَ لله تعالى وَحُسْنَ المراقبةِ له،"إذ في السرية سدٌّ لكلِ ذرائع الرِّياء، ولذلك كان السرُ خيرًا للمُعطي، إذ فيه احتياطٌ لنفسه من أن يدخلها داءُ الإنفاقِ وهو الرِّياء، فإذا كان في الجهر فائدةُ الثناء، ففي السر فائدة الاحتياط من الرِّياء، وذلك خيرٌ من كل ثناء" [3] .

ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ الإنفاقَ في السِّر يُعوِّدُ الأفرادَ على البذلِ ويُسهِّلُه عليهم، ويُعينهم على تأدية سائر واجباتهم المالية، لأنَّ الذي يَعتادُ على الإنفاقِ في السِّر لن يَثْقُلَ على نفسِه الإنفاقُ جهرًا وعَلَنًا، وخاصةً حينما تُفرَضُ عليه بعضُ الوظائفِ المالية من قِبَلِ الدولة على سبيل المثال، فَضلًا عن سائر الواجبات المالية الأخرى كالإنفاقِ على الأقارب وعلى من تَجِبُ نفقتهم عليه.

وتوضيح ذلك أنَّ الذي يُنفِقُ في السِّر فإنه يُراقبُ اللهَ - سبحانه وتعالى - في عملِه ويخشاه ويرجوه ويأملُ أنْ يَتقبلَ منه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [4] ،"أي يعطون العطاءَ وهم خائفون وَجِلُون أن لا يُتقبَلَ منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصَّروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من بابِ الإشفاق والاحتياط" [5] ، فَمِثلُ هؤلاء يَبعد أن يتهربوا من بقية الواجباتِ الماليةِ المطلوبةِ منهم، ولن يقوموا

(1) سورة إبراهيم، الآية 31.

(2) سورة البقرة، الآية 274.

(3) أبو زهرة: زهرة التفاسير، (2/ 1019) ، دار الفكر العربي، القاهرة.

(4) سورة المؤمنون، الآيتان 60، 61.

(5) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، (5/ 417) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت