الإمام الغزالي عن أخذ الصدَقَة في الخفاء:"أنَّه أبقى للستر على الآخِذ، فإنَّ أَخْذَه ظَاهِرًا هَتْكٌ لستر المروءة، وكشفٌ عن الحاجة، وخروجٌ عن هيئة التعففِ والتصوِّنِ المحبوبِ الذي يحسب الجاهلُ أهلَه أغنياء من التعفف"، وكذلك"أنَّ في إظهارِ الأخذِ ذُلًا وامتهانًا، وليس للمؤمن أنْ يُذِلَ نفسَه" [1] .
وأمَّا بالنسبة لأثرِ الإنفاقِ سرًا على بقيةِ الناسِ الشاهدين فإنَّ في إخفاءِ عمليةِ الإنفاقِ عنهم حِفظًا لألسنتهم من سوءِ الظنِّ والحَسَدِ والخوضِ في الأعراض والقيل والقال، قال الغزالي في فوائد إخفاء الصدقة بالنسبة للناس:"أنَّه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم، فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخْذَه ويظنون أنَّه آخذٌ مع الاستغناء أو ينسبونه إلى أخذِ زيادة، والحَسَدُ وسوءُ الظنِ والغيبةُ من الذنوب الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى" [2] .
وهكذا هي الآثار الاجتماعية للإنفاقِ في السِّر تَحْفَظُ كرامةَ الفقير وتُقِيم إنسانيتَه وتراعي مشاعرَه، وكذلك تَحمِي المجتمعَ من الأخلاقِ الرديئةِ ومن سوءِ الظنِ والحقدِ وكثرةِ الكلام فيما لا ينفع واتهامِ الناسِ بما ليس فيهم.
نموذج للأثر الاقتصادي والاجتماعي لصدقة السر (علي بن الحسين - رضي الله عنه -) :
كان زينُ العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما يحمل جِرَابَ الخُبْز على ظهره بالليل فيتصدَّق به، ويقول: إنَّ صدقةَ السر تطفئ غضبَ الربِ عزَّ و جلَّ [3] ، وكان ناسٌ من
(1) الغزالي، محمد بن محمد: إحياء علوم الدين (1/ 215) ، دار الفكر، بيروت، 1995م.
(2) المرجع السابق (1/ 215) .
(3) (إنَّ صدقة السر تطفئ غضب الرب) أصله حديث نبوي شريف، رواه الطبراني في المعجم الأوسط، (1/ 289) ، برقم (943) ، دار الحرمين، القاهرة، 1425هـ - 1995م، وغيره من مدوَّنات السُّنَّة، وقد اختلف أهل الحديث في تصحيح الحديث وتضعيفه، حيث ضعَّف الحافظُ ابنُ حجر أسانيدَ هذا الحديثِ في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، (3/ 247) ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1427هـ - 2006م، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، (2/ 702) ، برقم (3759) ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1406هـ - 1986م.