الصفحة 9 من 11

أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمَّا مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل، ولمَّا مات - رضي الله عنه - وغسَّلوه جعلوا ينظرون إلى آثارِ سَوادٍ في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يَحْمِلُ جُرُبَ الدَّقيقِ ليلًا على ظهره يعطيه فقراءَ أهلِ المدينة [1] .

هذه القصةُ نموذجٌ لحال المجتمع الإسلامي الذي يطبِّق المنهجَ الإسلامي ويسير في ظلال أحكامِه وتعاليمِه، فأناسٌ فقراء يعيشون ويُرزَقون قوتَ يومِهم بسبب صدَقَة السِّر، لا يدري أحدٌ عن المُنفِقِ ولا عن المُنفَقِ عليهم، ممَّا يَحْفَظُ كرامةَ الفقراء ويُبعِدُ كلامَ الناس عنهم، ومن الناحية الاقتصادية هناك حفزٌ للطلب مِنْ قِبَلِ هذه الشريحة الآخِذة للصدَقَة ممَّا يتركُ آثارَه الإيجابية على سائر النشاط الاقتصادي، كلُّ ذلك نتيجة للإنفاق سرًا، وما زالت تلك النماذجُ المشرقةُ مستمرةً إلى يومنا هذا وذلك بسبب عِظَم الثوابِ المترتِّبِ على صدَقَةِ السِّر.

ثانيًا: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للإنفاق علانيةً:

أ البعد الاقتصادي للإنفاق العَلَني:

بغضِّ النظر عن نوع هذا الإنفاق أكان واجبًا أم مستحبًا فإنَّ من أبرز الآثار هو تَداعي الأفراد والمؤسسات وسائر الجهات إلى التأسي والاقتداء ببعضهم البعض، بل إلى التنافس فيما بينهم في قَدْرِ الإنفاق وحجمِه، وهذا مُلاحَظٌ جدًا لاسيما في عصر الفضائيات وباقي وسائل

(1) انظر في أخباره رضي الله عنه: الذهبي: سير أعلام النبلاء، (5/ 332) ، دار الفكر، بيروت، 1997م، وابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي: صفة الصفوة (2/ 96) ، دار المعرفة، بيروت، ط 2، 1399هـ - 1979م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت