فهرس الكتاب
يقول الإمام الشاطبُى - رحمه الله تعالى:
"وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله المتحققين به فلذلك طريقان:"
الأول: المشافهة وهى أنفع الطريقين وأسلمها لوجهين
الوجه الأول:
خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها عليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادى من قرائن الأحوال وإيضاح موضوع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدى المعلم ظاهر الفقر بادى الحاجة إلى ما يُلقى إليه، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم - أى العلماء - ما لا يفتح له دونهم
الطريق الثانى: لأخذ العلم:
مطالعة كتب المصنفين ومدونى الدواوين وهو أيضًا نافع في بابه بشرطين - ومازال الكلام للشاطبى:
الأول:
أن يحصل له - أى لطالب العلم - من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم به النظر في الكتب
والشرط الثانى:
أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، فتحقق الصحابة - رضي الله عنهم - بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم، أبصر العجب في هذا المعنى وأما الخبر ففى الحديث"خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [1] وفى هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك"اهـ [2] "
وأود أن أوضح أنه ليس معنى ذلك أن نُعرض عن كل ما هو حديث من الكتب والمصنفات إعراضًا تامًا فمنها ما هو مفيدُ في بابه كثيرًا، لما تمتاز به من تحقيق وتدقيق وتبويب وسهولة في العرض، بل ومنها ما لا يمكن بحال أن يستغنى عنه الباحث وطلاب العلم فضلًا عن الدعاة والعلماء ككتب الحديث المحققة والمعاجم والفهارس وفتاوى المجامع الفقهية المعاصرة وغيرها ولا مانع من استشارة العلماء في هذا الجانب
ثالثًا: من أهم الأسباب والطرق الموصلة لتحصيل العلم الشرعى ترك الذنوب والمعاصى بتقوى الله عز وجل: {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم} [3]
ولهذا كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول:"إنى لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله" [4]
ولما جلس الشافعى بين يدى مالك - رحمهما الله - وأعجب مالك بذكاء الشافعى وحفظه قال له يا شافعى:"إنى أرى الله قد جعل في قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية [5] "
وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى:
شكوت إلى وكيع [6] سوء حفظى فأرشدنى إلى ترك المعاصى
(1) حديث صحيح رواه البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بألفاظ متقاربة انظر صحيح الجامع 1/ 623، 624
(2) بتصرف من"الموافقات"لأبى أسحاق الشاطبى 1/ 96، 97 طبعة دار المعرفة
(3) سورة الأنفال: 29
(4) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1/ 196
(5) الجواب الكافى لمن سأل عن الدواء الشافى لابن القيم ص 14
(6) وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام الحافظ محدث العراق ولد سنة 129 هـ ومات سنة 196هـ، انظر سير أعلام النبلاء للإمام الذهبى 9/ 14 وتهذيب التهذيب 11/ 19