الصفحة 117 من 180

بأبى هو وأمى فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب"وفى رواية لمسلم وغيره عن أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابى فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله مَهْ مَهْ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُزْرمُوُه دَعُوُه، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القَذَر إنما هى لذكر الله عز وجل والصلة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه" [1] "

بالله عليكم هل في لغة البشر ما نستطيع أن نعبر به عن هذه الحكمة والرحمة؟! كلا ألا فلندع المشهد يحدث عن جلاله وروعته بنفسه!!

ومن الحكمة إلى الرحمة فإن الغلطة أو القسوة تفسد ولا تصلح وتهدم ولا تبنى والذى لا يرى الناس إلا بعين الاحتقار والازدراء ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم والعيب لهم والذم ينبغى أن يعلم جيدًا"أنه أعجز شئ عن حفظ نفسه وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول له إلا بربه - جل وعلا - وأن قَلْبه كريشة مُلقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يمينًا وشمالًا وأنه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج، ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى، تجرى عليها أحكام القدر، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما أدنى إليه من شِراك نَعْلِه كشاةٍ مُلقاةٍ بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعى فلو تخلى عنها طَرْفة عين لتقاسموها أعضاءًا ينبغى أن يعلم أنه يفتقر افتقارًا تامًا إلى ربه ووليه - جل وعلا - ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته في الدنيا والآخرة" [2]

ومن ثم يستحضر فضل الله عليه في كل لحظة في كل حركة وسكنة لهو الذى اختاره وعلمه وأعانه ووفقه وأعزه بالدعوة إليه وإلى دينه لذا ينبغى أن يكون كالطبيب الذى

(1) انظر كل هذه الروايات في إرواء الغليل، للشيخ الألبانى حفظه الله (1/ 19، 191) طبعة المكتب الإسلامى

(2) مستفاد بتصرف من مدارج السالكين 1/ 46 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت