فهرس الكتاب
وأهوائهم وذواتهم فاستحقوا النار حتى ولو كان فيهم العِالم المعلم والمنفق الباذل والمجاهد المقاتل!!
لأن هؤلاء ما كانوا عبيدًا لله جلَّ وعلا بل كانوا عبيدًا لأنفسهم وذواتهم وشهواتهم الخفية، وفى الحديث الذى رواه البخارى عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطى رضى وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتُقش، طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة وإن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع" [1]
ونقل الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث الكريم قول ابن الجوزى: والمعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو" [2] اهـ"
فهو متجرد في عمله لله جلَّ وعلا لا يريد إلا إياه ولا يبتغى إلا رضاه ومن ثمَّ فلا يعنيه في أى موقع سيكون ولا في أى الخنادق سيقاتل لأنه لا يريد تلميعًا سياسيًا ولا إعلاميًا وما أجَّله من هدف وما أعظمها من غاية وتالله ما انتصر الإسلام في جميع معاركه إلا بمثل أصحاب هذه القلوب الحية النقية المتجردة لله جل وعلا التى لا تبتغى بعملها إلا وجهه عز وجل
ويقفز إلى ذهنى الآن مشهدُ يتألقَّ سموًا وروعة وجلالًا ذلكم المشهد المهيب الكريم الذى يعلمه لنا أبو سليمان سيف الله المسلول خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وأرضاه ذلكم القائد الذى حيَّر القادة في ساحة الوغى وميادين البطولة والفداء ذلكم القائد الذى هابه الأبطال والفرسان ذلكم القائد الذى لم يهزم بإذن الله في معركة قط وها هو يتنازل - بأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - - عن القيادة في غاية الحب والرضى لأخيه أمين هذه الأمة أبى عبيدة بن
(1) أخرجه البخارى في كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، وفى كتاب الرقاق، باب ما يُتقىِ من فتنة المال انظر جامع الأصول (9/ 495)
(2) انظر فتح البارى (6/ 97)