الصفحة 133 من 180

بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه، بل أكد أمره بقوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أى قد فرضت عليكم العدل فرضًا لا هوادة فيه اعدلوا هو - أى العدل المفهوم من اعدلوا - أقرب لتقوى الله أى لاتقاء عقابه وسخطه باتقاء معصيته وهى الجور الذى هو من أكبر المعاصى لما يتولد منه من المفاسد: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} ، أى لا يخفى عليه تعالى شئ من أعمالكم ظاهرها وباطنها ولا من نياتكم وحيلكم فيها وهو الحكم العدل القائم بالقسط فاحذروا أن يجزيكم بالعدل على ترككم العدل فقد مضت سنته العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا هو ذل الأمة وهوانها واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها ولجزاء الآخرة أذل وأخزى وأشد وأبقى" [1] "

ومن ثم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"ومن أمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذى قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم في الدنيا مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم ولهذا قيل: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شئ فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق ومتى لم تُقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة" [2]

ونحن نعيش عصرًا عزَّ فيه العدل والإنصاف - إلا من رحم ربك - واُتبع فيه الهوى الذى يصمُّ الآذان عن سماع الحق ويعمى الأبصار عن رؤية الدليل، ويُضل أصحابه عن سواء السبيل!!

ومما يؤلم القلب أننا نرى من بين أبناء الحركة الإسلامية من يغفل عن هذا الميزان الحق فيميل في أقواله وأفعاله وتعاملاته وأحكامه عن العدل والحق فقد يتغاضى عن أخطاء

(1) انظر تفسير المنار 6/ 274 ط دار المعرفة

(2) الاستقامة بتحقيق محمد رشاد سالم (2/ 247 - 248)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت