فهرس الكتاب
{ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصِرُ من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} [1]
إنه نموذج متكرر في كل جيل وحين، يَزنُ العقيدة والإيمان والالتزام بميزان الربح والخسارة كأنها صفقة في أسواق التجارة!! {فإن أصابه خير اطمأن به} وقال: إن الإيمان خير فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع وينمى الزرع ويربح التجارة ويكفل الرواج: {وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} خسر الدنيا بالبلاء الذى أصابه فلم يصبر عليه ولم يتماسك له ولم يرجع إلى الله فيه وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه وانكفائه عن عقيدته وانتكاسه على الهدى الذى كان ميسرًا له والتعبير القرآن يصوره في عبادته لله"على حرف"غير متمكن من العقيدة، ولا متثبت في العبادة يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى ومن ثم ينقلب على وجهه عند مسِّ الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب ولا ريب {ذلك هو الخسران المبين} يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى إلى جوار خسارة المال أو الولد أو الصحة أو أعراض الحياة الأخرى التى يفتن الله بها عباده ويبتلى بها ثقتهم فيه وصبرهم على بلائه وإخلاصهم أنفسهم له واستعدادهم لقبول قضائه وقدره ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان فياله من خسران!" [2] "
فليس الإيمان كلمةَ تقُال باللسان فحسب ولكنَّ الإيمانَ حقيقةُ ذات تكاليف ثقيلة وأمانةً ذات أعباء كبيرة وجهادً كبير يحتاج إلى صبر جميل
"فلا يكفى أن يقول الناس: آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصُرهم خالصة قلوُبهم كما تفتن النارُ الذهبَ لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوى وله دلالتهَ وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب وكثيرة من الفتن والمحن والابتلاءات التى يتعرض"
(1) سورة العنكبوت: 1
(2) بتصرف من الظلال (4/ 2412، 2413) ط دار الشروق