فهرس الكتاب
وهناك فتنة الغربة في الدين والاستيحاش في العقيدة حتى أضحى المسلم غريبًا في بيئته بين أهله وإخوانه حتى يقول الإمام ابن القيم: بل الإسلام الحق الذى كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هو اليومَ غربةً منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقى غريب جدًا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورئاسات مناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول؟!
فإن نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التى هى منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التى هى غايات مقاصدهم وإراداتهم فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله عن طريق المتابعة غريبًا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحمهم وأعجب كل منهم برأيه؟!
وفى الحديث عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس" [1]
فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله عز وجل كانت الفتنة أشد وأقسى وكان الابتلاء أصعب وأعنف ولم يثبت إلاَّ من عصمه الله عز وجل فالابتلاء تاريخ طويل وقصة كفاح وتضحيات ضخمة كبيرة منذ اللحظات الأولى لتاريخ بنى الإنسان أجل فما الذى لاقاه نوح عليه السلام؟ وما الذى لاقاه إبراهيم عليه السلام؟ وما الذى لاقاه يوسف عليه السلام؟ وما الذى لاقاه أيوب عليه السلام؟ وما الذى لاقاه أمام النبيين وسيد المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - إنها قصة طويلة بطول الطريق قاسية بقسوة مِحَنِه، وفتنة شديدة بشدة الابتلاءات
(1) رواه الترمذى وابن ماجه من حديث ابن مسعود ورواه مسلم وابن ماجه من حديث أبى هريرة وهو حديث صحيح انظر صحيح الجامع (1/ 328) حديث رقم 158