فهرس الكتاب
والسؤال الذى يقفز إلى أذهان الكثيرين وربما يمنعهم حياؤهم من التصريح به ألا وهو:
فما هى الحكمة من كل هذه المحن والفتن والابتلاءات؟
والذى يجب أن يكون راسخًا في القلب لا تعصف به الرياح ولا تزعزعه الاهواء أن نعلم يقينًا أنه ليس أحد أغير على الحق وأهله من الله جلَّ وعلا، وحاشا لله الرحمن الرحيم أن يعذب أولياءه من المؤمنين بالفتن وأن يؤذيهم بالابتلاءات
"ولكنه الإعداد الحقيقى لتحمل الأمانة فهى في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق وإلا بالاستعلاء الحقيقى على الشهوات وإلا بالصبر الحقيقى على الآلام وإلا بالثقة الحقيقة في نصر الله أو في ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء والنفس تصهرها الشدائد فتنفى عنها الخبث وتستجيش كامن قواها المذخورة فلا يكفى أن يقول الناس: آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا الفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمَّنا وهم لا يفتنون} هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله سبحانه: {ولقد فتَّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين} فالفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف لأن الإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة وفى قلوبهم تجرُّد لها وإخلاص لا يحملها إلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمة والسلامة وعلى المتاع والإغراء، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة فهى أمانة كريمة وهى أمانة ثقيلة ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء ولله الحكمة البالغة فإن برزو المجرمين لحرب الدعوات يقوى عودها ويطبعها بطابع الجد الذى يناسب طبيعتها، وكفاح وجهاد أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها مهما كلفهم من مشقة وكلفة هو الذى يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة، وهو الذى يمحص القائمين عليها ويطرد الزائفين عنها فلا يبقى إلا العناصر القوية المؤمنة المتجردة التى لا تبتغى"