قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعقيبًا على تلك القصة:
«ما أشرف هذه المنزلة!! وأعلى هذه الدرجة!! وأعظم هذه الموهبة!! وإنما لا يستوحش مع الله تعالى من عمر قلبه بحبه سبحانه، وأنس بذكره، وألف مناجاته بسره، وشغل به عن غيره، فهو مستأنس بالوحدة مغتبط بالخلوة» [1] .
وكان العبد الصالح حبيب بن محمد رحمه الله يخلو في بيته، ثم يقول مناجيًا ربه: «من لم تقر عينه بك فلا قرت!! ومن لم يأنس بك فلا أنس!!» .
وقال بعض العباد: «سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربِّه وسيده عز وجل!!» .
وقال إبراهيم بن أدهم: «اتخذ الله صاحبًا، ودع الناس جانبًا» .
وقال مسلم بن يسار: «ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله تعالى» .
وقال مسلم العابد: «ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة الله» [2] .
فيا أخي الحبيب: «سبحان من وفق أقوامًا لخدمته، وأفاض عليهم من كرامته فهجروا لذيذ المنام، وأداموا لربهم الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، فلو رأيتهم وقد سارت قوافلهم في حندس الظلام، فواحد يسأل العفو عن زلته، وآخر يسأله التوفيق لطاعته، وآخر يستعيذ من عقوبته، وآخر يرجو منه جميل مثوبته، وآخر يشكو إليه ما يجده من لوعته، وآخر شغله ذكره عن مسألته، فسبحان من أيقظهم والناس نيام [3] !
الموعظة الثامنة
(1) كتاب العزلة - لأبي سليمان الخطابي -.
(2) كتاب استنشاق نسيم الأنس - لابن رجب -.
(3) عقود اللؤلؤ والمرجان - إبراهيم بن عبيد -.