«فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة، التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مرَّ بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة! ولو ليلةً!! فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم!! وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح!! عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة حتى أصبح بآية!! وهي قوله تعالى: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118] ، قال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا؛ فقراءة القرآن بالتفكر هي أصلح صلاح القلب» [1] .
ولننظر إلى العبد الصالح محمد بن المنذر رحمه الله؛ إذ جزأ الليل عليه وعلى أمه وعلى أخته أثلاثًا!! فكان كل واحد منهم يقوم ثلث الليل، فلا تكاد ساعة بالليل إلا ومصل قائم في بيتهم!! ثم ماتت أخته، فقسم الليل كله نصفين بينه وين أمه!! ثم ماتت أمه فكان يقوم الليل كله وحده، رحمة الله عليه ورضوانه [2] .
وعن شعيب بن حرب رحمه الله قال: دخلت على العبد الصالح مالك بن مغول رحمه الله وهو في داره بالكوفة جالسًا وحده، فقلت له: أما تستوحش لوحدك في هذه الدار؟!! فقال: ما كنت أظن أن أحدًا يستوحش مع الله عز وجل.
(1) كتاب مفتاح دار السعادة - لابن القيم -.
(2) كتاب المستطرف - للأبهيشي -.