فيا أيها الأخ الحبيب: الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة مرارتها لا تطاق في الآجلة! يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف رأي سخيف. يا طفل الهوى، متى يؤنس منك رشد؟! عينك مطلقة في الحرام، ولسانك مهمل في الآثام!! وجسدك يتعب في كسب الحُطام!! كم نظرة محتقرة زلت بها الأقدام! [1] .
الموعظة الثالثة
قال ابن القيم رحمه الله: للعبد بين يدي الله تعالى موقفان:
موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف.
قال تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا } [الإنسان: 26، 27] [2] ، وقال رحمه الله وهو يصف قرة عيون الصالحين بالصلاة الخاشعة: «فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همَّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همَّها؛ حتى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقارين شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم!
(1) كتاب التبصرة لابن الجوزي.
(2) كتاب الفوائد - لابن القيم -.