الصفحة 5 من 32

وهذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله تعالى وترميه على طريق المحبة، فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق، وإن كانت سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة، لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيتها «أي بالنسبة لحق الله» بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم- نوع آخر، وفتح آخر، والسالك بهذه الطريق غريب عن الناس، وهم في واد وهو في واد، فالله المستعان وهو خير الغافرين» [1] .

يقول الأوزاعي: «خرج الناس يستسقون وفيهم العبد الصالح بلال بن سعد، فقال: يا معشر الناس!! ألستم تقرون بالإساءة وتعترفون بالذنب؟!!

فقال الناس جميعًا: نعم!!! فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنك قلت: { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } وكلنا نقرُّ لك بالإساءة!! فاغفر لنا واسقنا الغيث!!

فسقاهم الله وخرجوا يمشون في المطر» [2] .

قال العبد الصالح بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: «يا ابن آدم، من مثلك؟! إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن، وتكلمه بغير ترجمان دخلت؟!! قيل: وكيف ذلك؟! فقال: تسبغ الوضوء وتدخل محرابك! فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن، وتكلمه بلا ترجمان» [3] .

إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب

وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرسلت في مكامنها الخطوب

ولم تر لانكشاف الضر وجهًا ... ولا أغنى بحيلته الأريب

أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب

وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فرج قريب

(1) كتاب مدارج السالكين - لابن القيم -.

(2) كتاب حلية الأولياء للأصفهاني.

(3) كتاب إحياء علوم الدين للغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت