وقد فهم هذا المعنى سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من ذوي البصيرة في لدين، فنأوا بأنفسهم عن المعاصي، وهذا سلمة بن صخر البياضي - رضي الله عنه - يأتي فزعًا مرعوبًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: يا رسول الله هلكت وأهلكت. قال له رسول الله: ما أهلكك؟ قال: يا رسول الله وقعت على امرأتي وأنا صائم...» الحديث [1] فقد أحس - رضي الله عنه - بعظم المعصية وسوء عاقبتها ، وجاء تائبًا يسأل عن المخرج منها.
قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} استثنى عز وجل من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم [2] .
والإيمان لغة التصديق، قال تعالى عن إخوة يوسف أنهم قالوا لأبيهم {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [3] أي: بمصدق.
وشرعًا: قول باللسان واعتقاد بالجنان - وهو القلب، وعمل بالأركان - وهو الجوارح، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن معناه من حيث اللغة: الإقرار فلا يكفي مجرد التصديق [4] .
والإيمان بمعناه اللغوي والشرعي يندرج تحته كل ما يجب الإيمان به من أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبكل ما يجب الإيمان به من الغيوب الماضية والمستقبلة.
وقوله {الصَّالِحَاتِ} أي: الأعمال الصالحات، والعمل لا يكون صالحًا إلا إذا توافر فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
(1) أخرجه البخاري في الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر 1936، ومسلم في الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم 1111، وأبو داود في الصوم 2390، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
(2) انظر «تفسير ابن كثير» 8/500.
(3) سورة يوسف، آية 17.
(4) انظر: «مجموع الفتاوى» 7/638.