الصفحة 112 من 1745

ولقد كان هذا النشاط على أشده في الأمصار الإسلامية، والبلاد الافريقية والمغربية يومئذ في بداية تكوينها العلمي، انما يصلها من أصداء ذلك ما كانت تسمح به الصلات النسبية بين القيروان وبين الجهات الشرقية سواء من حيث التبعية السياسية، أم من حيث الاستفادة ممن كان يرد عليها من هذه الأمصار من الشخصيات العلمية، أو من كان يشد الرحال إليها لهذه الغاية، وهذا ليس من شأنه بهذا المستوى وحده أن يعطيها من القوة والرسوخ في العلم ما يمكنها من تحقيق"الاكتفاء الذاتي"أو من التعبير عن قدرتها على منافسة الحواضر في المشرق في هذا المجال في اختيار مذاهبها الخاصة، سواء في مجال الفقه أم في مجال القراءة أم في أي مجال، ولذلك فلم يكن منتظرا منها لهذا العهد غير الاتباع التام واقتفاء الآثار، فكان أكثر جهد علمائها وقرائها الوقوف على ما هو سائد من العلوم الشرعية في الأمصار ومحاولة استيعابه ونقله بكامل الأمانة إلى بلدانهم.

طلائع الرحلات العلمية نحو المشرق:

وفي هذا المضمار يمكن تصنيف طائفة كبيرة من الرحلات العلمية التي كانت النوافذ العلمية الأولى التي فتحها الرواد على البلاد الإسلامية المشرقية، وذلك بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين أو ابتداء من أواخر هذا العهد. فلقد كان الكلف بالجديد يستهوي هؤلاء الرواد، وكان أكثر ما يستأثر باهتمامهم المجال الفقهي، إحساسا منهم بحاجة هذه المناطق بعد استتباب الأمن فيها وزيادة العمران إلى البث في كثير من القضايا العامة والطارئة وتقديم الفتاوى الشرعية للمشاكل والنوازل استنباطا من الكتاب العزيز والسنة المشرفة بعد تحصيل الوسائل وتكوين الملكات. وهكذا يمكن للمتتبع لتاريخ الحركة العلمية في المناطق المغربية أن يلاحظ أن الحافز الأكبر الذي كان يحرك الهمم في اتجاه المشرق إنما كان أحد أمرين:

-أحدهما أداء فريضة الحج والوقوف على المشاهد الإسلامية بالمدينة المنورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت