الصفحة 113 من 1745

-وثانيهما لقاء المشيخة والاغتراف من المناهل العلمية الصافية المعتمدة.

ولقد كانت الرحلة في كثير من الأحيان تمضي على رسلها، فتتحقق للطالب المجد الغايتان معا، وتكون رحلة الحج مناسبة للإقامة بالحرمين الشريفين للتضلع من علوم الرواية، بالإضافة إلى عدول الطالب غالبا عن الطريق القاصد في الذهاب والأياب ليعرج على هذا البلد أو ذاك، وغرضه لقاء المشيخة والسماع من أكابر العلماء، وبذلك كان يجمع الغنم من طرفيه، فيعود من الرحلة الحجازية غالبا محملا بأوقار العلم والرواية.

ثم كان مما يزيد في إغراء الأقران بمثل هذه الرحلات الناجحة، أن الواحد من أهلها لا يكاد يشارف حدود بلده عائدا حتى يجد الأعناق مشرئبة والنفوس متعطشة إلى ما عنده من جديد، لاسيما فيما يخص الفقه المذهبي وقراءة القرآن الكريم، ومن هنا كان لا مناص من أن تفد على المناطق المغربية أصداء الحركة العلمية في المشرق، ثم يتطور الأمر إلى إقبال أبنائها على النهل من ينابيعها، ثم يعودون وقد امتلأت حواصلهم بما جمعوا من روايات وما نالوه من درجات في الفقه والحديث والقراءة وغير ذلك مما كان محور هذه الرحلات.

ثم ان المناطق المغربية كانت مسرحا لتعاقب مختلف المؤثرات عليها، وذلك بحكم اختلاف التبعية السياسية، فقد كانت أول الأمر تابعة في الولاية لبلاد مصر، ثم أصبحت لها إمارتها التابعة للشام ولدار الخلافة بها، إلى أن سقطت دولة بني أمية سنة 132 وانتقلت الخلافة إلى العباسيين بالعراق، فكان كل ذلك يصحب معه آثارا بليغة في التوجهات العامة والمذاهب السائدة واتجاهات الرحلة من الطرفين. وقد رأينا فيما قدمنا ولمسنا جوانب من تلك الآثار من الحجاز والشام ومصر يوم كانت افريقية ولاية شامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت