الصفحة 30 من 1745

وثانيهما التعرف على المسار الذي سارت فيه قراءة نافع في الجهات المغربية في زحمة القراءات المأثورة الأخرى، وكيف كانت أحد أهم العوامل التاريخية والحضارية التي ساعدت على تعميق الإحساس بالوحدة الفكرية والمذهبية بين الأقطار والجهات المغربية عبر القرون الماضية، وتوثيق الروابط بين أصقاعها المترامية بصورة مكنتها من الحفاظ على شخصيتها الاعتبارية، والصمود في مواجهة مختلف التيارات المذهبية والفكرية المتعاقبة التي غزتها في مختلف العهود.

ولسنا نعني هنا أننا سنقف على الأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية مؤرخين ومفصلين، وإنما نعني أن تتبعنا لتطور القراءة في المناطق والجهات، يقتضي منا بين الحين والآخر، أن نلم ببعض الأحداث التاريخية التي كان لها إلى جانب أبعادها السياسية والاجتماعية في المناطق المغربية، أبعاد مماثلة في التأثير على حركة الإقراء وتوزيع القراء في الرقعة الفسيحة الممتدة عبر الجهات المغربية في افريقية والأندلس والمغرب الأقصى، ثم في الامتدادات المشرقية بعد ذلك، وخصوصا بعد تداعي الحواضر الأندلسية إلى السقوط وانفراط عقد الوحدة السياسية بين الأقطار المغربية، وسوف نرى أن هذه الأحداث المؤلمة كثيرا ما كانت حافزا للقراء على الهجرة من هذا القطر إلى ذلك، والتنقل عبر البلاد، في ظروف بالغة الحرج في كثير من الأحيان، إلا أن الغريب في الأمر أن ذلك كان كثيرا ما يجري لصالح القراءات، إذ لا يكاد القارئ يغادر بلده، حتى يجد الترحيب الزائد والاستقبال الحفي في غيره، مما يتألق معه نجمه أكثر وأوفر مما كان لو بقي في بلده، وسوف نرى مصداق ما ذكرناه مع طائفة من الأئمة الذين اضطرتهم الفتن والقلاقل إلى النزوح عن ديارهم، كيف أنهم سرعان ما استعاضوا منها المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الديار التي احتلوها في البداية مهاجرين ولاجئين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت