الصفحة 46 من 1745

ولا يخفى ما كان لهذا الرباط وأمثاله على المدى الطويل من أثر في الحفاظ على الإسلام وتكوين الأجيال تكوينا صحيحا سواء في المعرفة الدينية وتكوين"أطر"الدعوة، أم في التدريب على القتال والفروسية، وقد اشتهر بعض هذه الربط بالدراسات الفقهية المتخصصة، ومنها رباط قصر زياد بتونس، وكان يسمى"درا مالك"لكثرة من فيه من العلماء والعباد والصالحين من أصحاب مالك، وكان فيه من أصحاب سحنون [1] أربعة عشر رجلا [2] ، وكان سحنون نفسه من رواده، وصام به مرابطا خمسة عشر رمضانا [3] .

وكانت ترتبط بهذه الربط العامرة مساجد خاصة يجتمع فيها المرابطون وغيرهم في أوقات مخصوصة من كل أسبوع لسماع القرآن وحضور مجالس الذكر وإنشاد الأشعار في الزهد والرقائق والترغيب في الجهاد، وكان يطلق على كل مسجد منها اسم اليوم الذي اعتيد على الاجتماع فيه لهذا الغرض، كمسجد السبت ومسجد الخميس اللذين كانت تقرأ بهما الرقائق كل يوم خميس وسبت"يحضر تلك المجالس الصلحاء والقراء وأهل الخير" [4] .

وامتدادا لهذا الدور الذي مثلته الربط الجهادية في الصدر الأول في هذا المجال ظهر في الجنوب المغربي في المائة الخامسة رباط عبد الله بن ياسين الجزولي الذي منه حركة المرابطين في طور ترعرعها ونشأتها انطلقت، ومنه اشتقت اسمها الذي أقامت على قواعده أركان أقوى دولة حكمت المغرب عسكريا وبنت صرح وحدته التاريخية من نهر السينغال جنوبا إلى طليطلة وما وراءها شمالا، ففي هذا الرباط تكون رجال هذه الحركة، ومنه اندفعوا لإنقاذ المغرب من براثن النحلة البرغواطية الضالة، واستنقاذ الأندلس من سقوط عاجل في أيدي نصارى الشمال كان وشيك الوقوع.

(1) - هو عبد السلام بن سعيد التنوخي عميد فقهاء المالكية بالقيروان، وسيأتي في مكانه من البحث.

(2) - ترتيب المدارك 4/384.

(3) - المصدر نفسه 4/74.

(4) - معالم الإيمان للدباغ 1/31-32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت