فهرس الكتاب
وقد كان أول ما بادر المهاجرون الأولون إلى عمله غداة مقدمهم المدينة المنورة إنشاء أول مسجد بني في الإسلام، روى عمر بن شبة عن أبي كعب القرظي قال:"قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء وقد بنى أصحابه مسجدا يصلون فيه إلى بيت المقدس، فلما قدم صلى بهم إليه، ولم يحدث في المسجد شيئا" [1] .
ولعل النبي صلة الله عليه وسلم عمل على توسيعه بعد ذلك، فبناه باللبن، إذ ذكر ابن شبة خبرا آخر يفيد اشتراك الجميع في العمل، وفيه تجلى مقدار الارتباط بين القرآن وإقامة المساجد، إذ كان عبد الله بن رواحة يرتجز:"أفلح من يعالج المساجدا"
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"المساجدا"
فقال عبد الله بن رواحة:"يقرأ القرآن قائما وقاعدا"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وقاعدا"
فقال عبد الله رضي الله عنه:"ولا يبيت الليل عنه راقدا"
فقال صلى الله عليه وسلم:"راقدا" [2] .
ذلك كان أول المؤسسات التي عني المسلمون بإقامتها بعد الهجرة، فكان هذا المسجد مسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام [3] .
ولقد بلغ من عناية المخططين للأمصار التي بنيت عقب الفتح بإقامة المساجد الجامعة في المواقع اللائقة بمكانتها أنهم كانوا يراعون في التخطيط أن تكون الأبعاد إلى المسجد متكافئة من جميع أطراف المصر، ولذلك يكون المسجد أول ما يتبرك ببنائه، ثم تقام دار الإمارة حوله، ثم يؤذن للناس بالبناء، ومن أبرز الأمثلة في اتباع هذا التصميم مدينة الفسطاط في مصر، التي اختطها عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد الفتح، ومدينة القيروان التي اختطها عقبة في ولايته الأولى سنة خمسين [4] .
(1) - تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة 1/51.
(2) - المصدر نفسه 1/52.
(3) - السيرة النبوية لابن هشام 2/189.
(4) - مجموعة رسائل ابن جزم - رسالة في جملة فتوح الإسلام 2/128.