الصفحة 489 من 1745

ونريد الآن في الحلقة التالية أن نقف مع إحدى واجهات ثلاث تبلور من خلالها أهم مظاهر هذا النشاط التأليفي والعلمي في تلك المدارس الفنية الثلاث، لدى ثلاثة من الأئمة يعتبرون من خيار هذا الرعيل إمامة في مذاهب الأقطاب، وحذقا في فقه منازعهم فيها، وقياما تاما عليها، إلى ما تأتى لهم من الحذق والتبريز في ملكة"النظم التعليمي"الذي اتخذوه مطية ذلولا لنقل أصول الأئمة في القراءة واختياراتهم في الأداء وأبدعوا فيه قصائد عصماء سائرة كانت منذ ظهورها وما تزال أمثلة عالية في ذلك تجمع بين استيعاب المادة وبين حسن التلخيص والتقديم لها، وجمال الصياغة والحذق فيها، وإخراجها في حلل قشيبة زادت في تحبيبها وتقريبها من القراء لما للنفوس من تعلق زائد بالشعر وما نظم في قوالبه [1] .

ولقد كان لأهل هذا الشأن من التعلق المكين بهذه القصائد ـ كما سوف نرى ـ والتشبث بمذاهب الأقطاب فيها ما كاد ينسي أصولها التي اغترفت منها ـ أعني كتب الأئمة ـ إن لم يكن قد غطى عليها أو أغنى عند جمهور الأئمة عنها حتى كادت تنسى، ثم زاد في رجحان قدرها إقدام عدد كبير من الأئمة في كل عصر منذ ظهورها إلى الآن على وضع شروح وإضافات وحواش تبين مقاصدها وتصلها بأصولها، معيدين بتلك الشروح والأوضاع حل ما أبرم ناظموها وتفننوا في ذلك، وزاد عكوفهم على بعضها إلى الحد الذي خرجت معه عن أن تكون لغير معصوم [2] .

(1) - عبر عن ذلك الحصري في أول قصيدته التالية.

(2) - ذكره ابن الجزري عن الشاطبية كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت