رب شاعر مغمور، جاهلي، أو إسلامي، أدّى خدمات جلّى لقومه، واتخذ المواقف الإيجابية في شعره، دون أن يتصل بالقصور، مما جعله غير معروف في أمة ارتبط أغلب تاريخها بالحكام، إلا أن التاريخ يثبت صحة سلوكه في استخدام شاعريته، وهو المطلوب.
ورب شاعر مشهور كان رفيق الملوك والأمراء، غير أنه لم يحسن استخدام شاعريته، فكان في سلوكه بعيدًا عن المواقف التي يجب أن يقفها من هو في مثل ذكائه من الشعب، موصوف عندنا بالسلبية.
ولعل القارئ لهذا البحث يفاجأ بأمرين اثنين.
الأول ...: كثرة الشعراء الذين لم يسمع بهم ا\إلا المختصون. فالمنهج يقضي الالتفات إلى المغمور من هؤلاء الشعراء نسد بشعرهم الفجوات التي تطالعنا بها حياتنا الأدبية، نسمع أصواتهم العذبة تطل على الدنيا. وأغلب هؤلاء كان بعيدًا عن القصور، فكانت رؤيته للأحداث بعيدة عن منظار أصحاب تلك القصور. إن مجموع شعر هؤلاء يشكل تيارًا كبيرًا في الأدب العربي، يقابل تيار أدب القصور يمكن تسميته أدب الشعب [1] .
الثاني ...: شعر المقطعات، فالقضية دائرة بين مفهوم وموقف، و عادة يأتي رد الفعل سريعًا عند الشعراء، وحين يكون رد الفعل سريعًا لابد أن يكون قصير النفس. أنه من غير الممكن خضوع التراث الأدبي العربي كله لشعراء المطولات، إن شعر المقطعات قد يسلط ضوءًا قويًا على كثير من المفاهيم الدينية والتاريخية والأدبية.
والقيام بهذا عبء ثقيل وكبير، والمؤونة فيه كثيرة غير أنها ضائعة مبعثرة في بطون الكتب والدواوين في أغراضها المختلفة، والبحث في هذه الذخيرة الواسعة يحتاج إلى تحليل مسهب، وتقويم سليم وزمن مديد، وأمانة على النصوص، واستقامة في السيرة، والخلق.
(1) على أن المقصود بأدب الشعب هنا، هو ما أنتجه شعراء الشعب، لا ما يمتع الشعب على اختلاف الأمكنة والأزمنة كإلياذة هوسيرس، أو ألف ليلة وليلة.