فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 306

ويبقى أن أشير إلى المراحل الشعرية التي أبدأ بها منذ الجاهلية. فقد مرّ الشعر الجاهلي بمرحلة حضانة ثم استوى عوده، واستقام شأنه، وعلا نبره، بعد أن كان الكلام كله نثرًا [1] ، فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم الأخلاق، وطيب الأعراق وذكر الأيام الصالحة، والأوطان النازحة لا لتهز نفسها إلى الكرم كما ادعى بعض نقاد الأدب القدامى [2] ، فهذا تحليل سطحي، ولكن لحاجة في المرء يشعر بها، ويؤكد عليها علم النفس الأدبي [3] .

إن الشاعر يقول الشعر لعدة أسباب، أهمها:

-أنه يشغل الآخرين بنتاجه.

-أنه يخلد نفسه بهذا النتاج.

-وأنه يحب من يحسن إليه، والمديح الذي يتلقاه الشاعر نوع من الإحسان.

-وأنه يعبر عن خلجات وانفعالات تلجلج في صدره، ولا تجد طريقًا تخرج منه سوى هذه التفاعيل.

-وأنه وجد في نفسه ميلًا فطريًا إلى هذا النوع من الكلام، فنمّاه بالموهبة وقوّاه بالتجربة، وربطه بالناس، فلم يعد يستطع بعدًا عنهم.

ثم إن أولية الشعر العربي مجهولة، ولا نعتقد أنه حديث الميلاد، صغير السن، سبق الإسلام بخمسين ومائة عام أو بمئتي عام على غاية الاستظهار كما ادعى الجاحظ [4] .

لذا كان الحكم منصبًا على الشعر الناضح مباشرة، وهذا هو الأصل الذي يجب أن يكون. وهو في نضجه يعطي صورة تامة عن قوة الكلام العربي الذي يعبر عن قوة الإدراك، وعن قوة في الإرادة. فالشعر الناضج أعطى صورة تامة لحياة الناس، وفكر الناس وعيش الناس ونمط معاشهم، ودخل كل معنى وكل شعب في حياتهم.

(1) القيرواني، ابن رشيق: العمدة، ج1/ ص20. بيروت 1972.

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) لاحظ مثلًا: التفسير النفسي للأدب، عز الدين اسماعيل، دار الثقافة بيروت 1963.

(4) الحيوان للجاحظ: ج1/ ص54، دار صعب بيروت، ج6/ ص/89 حيث جاء فيه: (وقد قيل الشعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول ما بيننا اليوم وبين أول الإسلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت