فهذا النسب، على هذه الشاكلة ظاهرة إيجابية، ومفهوم جيد في الحياة القبلية العربية. لأنه يربط شمل القبيلة،ويجمع شتاتها ويحميها من كل معتد أو طامع. لكنه حين يدفع إلى التفاخر والخيلاء، والزهو والغطرسة، يصبح ظاهرةً سلبيةً منبوذةً. يجب كشف ضررها، وبيان المناحي السلبية فيها.
وهي إذ تصبح كذلك، تنبذ ويؤخذ بالحسب بدلًا منها. وهذا سر نبذ الإسلام للتفاخر بالأنساب، واحترامه للحسب، على أنه الفعل الحسن كما في الحديث النبوي:"حسب الرجل خلقه [1] "وحسب المرء دينه مروءة عقله، وحسبه [2] عقله أيضًا.
وبهذا يكون الحسب أحيانًا معززًا للإيجابي من النسب، وملتزمًا معه بفائدة المجتمع وجزءًا من الخير العام الذي ينمّي القيم والمفاهيم الإيجابية.
وقد أكد بعض الشعراء قيمة هذا التلازم بين النسب والحسب، ليأتي منهما الخير العميم، وإلا فالنسب الكريم دون حسب يحميه يصبح لئيمًا ذميمًا كما في قول المتلمّس [3] :
ومن كان ذا نسب كريم، ولم يكن ... له حسب، كان اللئيم المذمما [4]
ويجنح هذا المفهوم إلى السلبية المغرقة حين يدفع كثيرًا من القائلين به إلى التطرف بالتفاخر، وهو التعاظم، فيصبح هذا التفاخر من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية سلبية [5] .
وينشغل العرب بهذا الأمر، فيتفاخرون بالآباء والأجداد، وبالسيادة والشرف، وبالكثرة، وبالحسب [6] . ويجرّهم هذا التفاخر إلى الشطط، والتخلف الاجتماعي المؤلم، فيحصل النزاع بين قبيلتين أو أكثر.
(1) اللسان: ج2/ ص629.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) جرير، ابن عبد العزى: أو عبد المسيح: من بني ضبيعة، من ربيعة شاعر جاهلي من أهل البحرين. وهو خال طرفة بن العبد. الشعر والشعراء: 52، وخزانة البغدادي: ج3 /
ص73.
(4) لسان العرب، ج2 /ص629.
(5) لاحظ لسان العرب مادة فخر ج/5 /ص48 وما بعدها.
(6) والحسب هنا (بالمفهوم الجاهلي) الشرف الثابت في الآباء.