وقد علا هذا النبر السلبي ذات مرة في المدينة وجر إلى نزاع بين قبيلتين من الأنصار، بني حارثة، وبني الحارث، فتفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان، وقال الآخرون مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان ومثل فلان؟ يشيرون إلى القبر وتقول: الأخرى مثل ذلك، فأنزل الله [1] :"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر [2] ".
وقد اشتهر في هذا المنحى قول للشاعر المخضرم عمرو بن معد يكرب الزبيدي، يقول فيه [3] :
ليس الجمالُ بمئزرٍ ... فاعلم وإن رُدّيت بُرْدَا
إن الجمالَ معادنٌ ... ومناقبٌ أورثنَ حَمْدَا
فعمرو - الذي أسلم فيما بعد - لا يكتفي بالمناقب، وهي الأعمال والخصال الحميدة، بل يصرّ على المعادن، وهي الطبائع الشريفة التي يرثها الرجل عن آبائه.
وإذا كانت المناقب وجهة إيجابية، فإن التفاخر بالمعادن فقط وجهة سلبية، إذا لم يرافقها من المناقب ما يثبت ذلك فالأصل تتبعه الفروع وكي تكون الفروع مثل الأصل، يجب أن تَحْمِلَ مناقبَ الأصلِ كذلك.
وقد بلغ من إيمانهم بالنسب أن اعتقدوا أن النسب الوضيع - أو اللئيم كما سموه - لا يزكيه عمل مهما يكن حميدًا!.. ومن هذا ندرك أنهم قبل الإسلام كانوا يؤمنون بأرستقراطية مسرفة تساوي في إسرافها الأرستقراطية الإنجليزية في العصر الفكتوري، حين كان الإنجليز يؤمنون أن بعض الدماء زكية أو (زرقاء) بطبيعة وراثتها، وأن من ولد من العامة لا يصير أبدًا إلى أن يكون من الأشراف، حتى قالوا: (أن الملك يستطيع أن يمنح الألقاب ولكنه لا يستطيع أن يجعل من الشخص العادي جنتلمانًا [4] ؟) .
(1) السيوطي، جلال الدين. أسباب النزول. ص256. الطبعة الأولى دمشق، لا تاريخ.
(2) سورة التكاثر، الآية /1/
(3) حماسة أبي تمام: ج1/ ص81. القاهرة 1955.
(4) النويهي، محمد: الشعر الجاهلي: ج1 /ص 230 الدار القومية للطباعة والنشر. القاهر بلا تاريخ.