وقد جعلهم هذا المفهوم متغطرسين أحيانًا، بحيث أن كثيرًا منهم كان يعقد الأولويّة لنفسه في كل شيء، لأنه أفضل منهم، بل ربما غالى فجعل نفسه أفضل من كل الأموات أيضًا، ولو عُدّت قبور هؤلاء الموتى واحدًا بعد واحد، كما جاء على لسان الشاعر الجاهلي عصام بن عبيد الزمّاني [1] في رسالة شعرية أرسلها إلى أحد أصدقائه [2] :
أبلغ أبا مَسْمَعٍ عنّي مغلغلةً ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام
أدخلتَ قبلي قومًا لم يكنْ لهم ... في الحق أن يدخلوا الأبواب قدّامي
لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كُنْتُ أكرَمهم ... ميتًا وأبعدَهم من منزلِ الذَّامِ
ومن هذا ندرك أن أياَ من أبعد الأشياء عن الصحة أن ننسب إلى الجاهليين أي إيمان بالديمقراطية الصحيحة. ويجب علينا في هذا المجال، ألاّ نخلط بين الديمقراطية الصحيحة - وهي التي تنبع من إيمان عميق بأن الناس متساوون في قيمتهم الإنسانية وأن لكل منهم حقًا متساويًا في الحياة الكريمة - وبين التقارب في الحالة الاقتصادية الذي فرضته على معظم الجاهليين طبيعتهم الصحراوية الشحيحة القاسي [3] .
(1) هو شاعر جاهلي مقل من بني حنيفة بن لُجيم، وَزَمان أَحَدُ أَجْدَادِه.
(2) حماسةُ أبي تمام ج1 /ص9.
(3) النويهي، محمد: الشعر الجاهلي ج1/ ص230.