فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 306

وقد تجلت المناحي السلبية لهذا المفهوم الجاهلي كذلك في فكرة مراعاة التكافؤ في الزواج، وهذا المفهوم هو نتيجة من نتائج فكرة النسب السلبية. فالأشراف لا يتزوجون إلا من طبقة مكافئة لهم، والسواد لا يتجاسرون على خطبة ابنة سيد قبيلة، أو أحد الوجهاء ويعيّر السيد الشريف، إن تزوّجَ بنتًا من سَوَاد الناس ولاسيما، إذا كانت ابنة صائغ أو نجّار أو ابنة رجل يشتغل بحرفة من الحرف اليدوية، لأنها من حرف العبيد!... وقد عيّر الشاعرُ الجاهلي عبدُ عيسى بن خفاف البرحميُّ [1] النعمانَ بن المنذر بأمه، لأنها كانت ابنة يهودي صائغ في قوله [2] :

لعنَ اللهُ ثم ثنّى بلَعْنٍ ... ابنَ ذا الصائغِ الظلومَ الجهُولا

يجمعُ الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوَّ فتيلا [3]

ولم يكن من المستساغ عُرْفًا تزويج البنت الأصيلة الحرّة من ابن عبد أو من حفيد عبد [4] .

هذا المعتقد أوجد لديهم سلاحًا فعالًا في الهجاء، فصار الواحد من الشعراء إذا غضب من أقرب الناس هجاه، ولو كان من أهله وذويه. وإذا بحث عن مطعن أو مهمز، تذكر أنه من اللؤماء، أو ربما هجا قبيلته بأكملها فرآها من اللؤماء، وأن قومه لم يؤتوا في لؤمهم من قبل أمهاتهم، وإنما أتوا من قبل آبائهم، وأن المرأة الكريمة منهم تتزوج الرجل المسروق النّسب، كما في هجاء عميرة بن جُعل قومهَ بني تغلب في نزعة طيش وساعة سفه، إذ يقول [5] :

(1) انظر ترجمته في الأغاني: ج7 /ص145. والمرزباني في معجم الشعراء. ص325.

(2) الجاحظ، الحيوان: ج4 /ص379. القاهرة طبعه عبد السلام هارون.

(3) يرزأ: ينقص، والفتيل: الهنة في شق النواة.

(4) علي، جواد: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج4 /ص640.

(5) هو عميرة بن جعل: شاعر جاهلي؛ وهو غير كعب بن جعيل وقد فرق بينهما الآمدي في المؤتلف. ص83 - 84. انظر تحقيق ذلك في المفضليات. ص257. دار المعارف بمصر، 1964م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت