فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 306

فما بهم ألاّ يكونوا طَرُوقَةً ... هجانا، ولكن عفّرتها فحولُهَا

ترى الحاصنَ الغرّاء منهم لشارفٍ ... أخي سَلّةٍ قد كان مِنْهُ سلْيلُهَا

وقد نجم عن هذا الادعاء - في ضرورة الزواج المتكافئ على أساس النسب في انحرافه السلبي - إلغاء فكرة الزواج على أساس الحب المتبادل إن لم يكن ثمة تكافؤ بين الحبيبين على أساس من تلك الفكرة، وهذا ما يفسر كثيرًا من قصص الحب العربية التي لم يتزوج أصحابها كما حدث لعنترة بن شداد، أو لغيره من أبطال القصص الغرامية الكثيرة.

كذلك يستنتج من الانحراف الذي حدث في هذا المفهوم سبب انتشار ظاهرة الفخر التي خدّرت كثيرًا من عقول القبائل العربية، قديمًا وحديثًا، حتى غدا هذا الفخر أيضًا عاملًا من عوامل التخلف يقاوم سنن التطور، فلطالما دندن العرب بمثل قول لبيد بن ربيعة العامري [1] حين يتحدث عن أهله ويراهم:

ومن معشر، سنّت، لهم، آباؤهم ... ولكلّ قَوْمٍ سنّة، وإمامُها [2]

فهذا المفهوم المتوارث ذو نظرة قاصرة تولّد في المرء اتكالية وضعفًا، كما أنّه لا يملك المعاصرة ولا الأصالة في مجتمع متطور متنقّل.

ولكي نظهر جوانب السلبية أكثر في هذا المفهوم ومن هذه الزاوية، لابد من أخذ مثال عنه بعد ظهور الإسلام. فقد ظهر دوره في مناهضة التطور الجديد من خلال الجمود العقلي والتصلب الفكري فيه مع محاربة الإسلام له. فجميل بن معمر العذري [3] ، أحد أولئك الشعراء الإسلاميين الذين يتناولون هذا المعنى بعيدًا عن الروح الإسلامية الجديدة، في قوله [4] :

(1) لبيد بن ربيعة بن مالك: من المخضرمين المعمرين، ويعد من الصحابة؛ وهو أحد أصحاب المعلقات. انظر خزانة الأدب، للبغدادي ج1 /337 - 339.

(2) شرح القصائد العشر، صنعة التبريزي. ص257. حلب دار الأصمعي 1973م.

(3) جميل بن عبد الله بن معمر العذري: من عشاق العرب، أكثر في النسيب والغزل والفخر. ت. 82 هـ ابن خلكان ج1/115.

(4) حماسة أبي تمام ج1 /ص173 - 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت