أبوكَ حُبَاب سارق الضيف بُرْدَه ... وجدّي يا حجّاج فارسُ شَمّرا [1]
بَنو الصّالحين الصّالحون ومن يكن ... لآباء صدقٍ يلقهم حَيْثُ سَيّرا
فهي القصيدة الجاهلية نفسها وإن كان الشاعر في شطره الأول قد استبدل بالشرف والمجد كلمة إسلامية كما في البيت الثاني (الصلاح) .
ولعل هذا المفهوم السلبي مازال حتى اليوم من أكبر العوائق التي تحول دون اجتماع رأسين على وسادة واحدة. وما زال ينخر كثيرًا في جسم المجتمع العربي المعاصر. فجمع من الناس يحتقر جمعًا آخر، وفرد منهم قد يحتقر فردًا آخر على الرغم من الحسب العظيم الظاهر في حسن فعالهم، فيزدرونهم لأنهم - بزعمهم - لا يملكون النسب الرفيع!...
ومثل هذا الأمر نعاني منه كثيرًا في الجزيرة الفراتية من البلاد الشامية حتى أيامنا هذه.
-العصبية القبلية:
العصبية هي:"النصرة على ذوي القربى، وأهل الأرحام، أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة [2] ."
والعصبية القبلية على هيئتها الجاهلية هي أساس النظام القبلي،وهي تعم العرب كلهم حضرًا، وبدوا، وكما ظهر معنا في بداية مناقشة مفهوم"النسب"فإن العصبية القبلية ذات حدّين، فهي ظاهرة إيجابية في الحياة الاجتماعية العربية حين يكون المقصود بها نصرة دوي القربى حقًا؛ ذلك لأن الظروف التاريخية، والبيئة العربية الصحراوية، وما للمجتمع العربي من إطار قبلي، كل هذه الأمور جعلت العصبية القبلية من هذا الجانب ظاهرة نافعة وضرورية للمجتمع.
ولكن هذا المفهوم يصبح له جانب آخر مقيت ومؤذٍ حين يتّخذ منه الشعراء مواقف موحّدة، في أوقات، أو حالات تقتضي من الشعراء أصحاب العقل والاتزان، ودقّة الشعور ضرورة التغيير على مبدأ لكل حادث حديث ولكل عصر مواقف جديدة تقابل المفاهيم الجديدة، والمفاهيم القديمة المتطورة.
(1) أصله سارق برد الضيف.
(2) انظر لسان العرب: مادة"عصب".