فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 306

روي أن الشّعبيّ [1] - وهو أحد قضاة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان - حكم بين رجل وامرأته، فحكم للمرأة، فقال زوجها:

فُتن الشّعبيُّ لمّا ... رفع الطّرف إليها

فتنتهُ ببنان ... وبخطيِّ حاجبيها

ومشت مشيًا وَئِيدًا ... ثم هزّت منكبيها

قال للجلواز: قَرّبْها وأَحضر شاهديها

فقضى جورًا على الخصم ... ولم يقض عليها

فأمر الشّعبيّ بالرجل فعوقب، ولكن العقاب لم يمنع الأبيات من الانتشار، فسارت مع الركبان شرقًا وغربًا. وحكى الشعّبيّ ذاته قال: مررت في البصرة بفتاة تملأ جرتُها وتتغنّى"فتن الشّعبيّ... فتن الشّعبيّ"، ولم تستطع أن تكمل البيت، فقلت لها:

فتن الشّعبي لمّا ... رفع الطرف إليها

ففرحت به فرحًا شديدًا، وشكرتني، وانصرفت، وهي تتغنى بالبيت [2] هذا الشعر.

وأما الشعراء فهم".. أمراء الكلام يقصرون ويمدّون المقصور، ويقدمون ويؤخرون، ويؤشرون ويشيرون، ويختلسون ويعيرون، ويستعيرون" [3] .

كان الشاعر على بصيرة من أمره عارفًا مكانته في المجتمع، عاملًا على حفظ تلك المنزلة الرفيعة. وقد ورد أن الشاعر"الطفيل الدوّسي قدم مكة، ورسول الله بها، فحذّره رجال من قريش من سماع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يتأثر بقوله. قال الطفيل: فما زالوا بي حتى أجمعت لا أسمع منه شيئًا، ثم قلت في نفسي: واثكل أمي!... والله إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته [4] ."

(1) وهو: عامر بن شراحيل الشّعبيّ الحميري. راوية من التابعين. كان فقيهًا شاعرًا. الأعلام ج4 - ص18.

-انظر العقد الفريد ج1/ ص66 المكتبة التجارية الكبرى القاهرة، 1953م.

(2) تهذيب ابن عساكر: ج7 - ص138. والوفيات: ج1. ص244 وسمط اللآلي: ص751.

(3) المزهر للسيوطي. ج2 - ص/ 471.

(4) سيرة ابن هشام. ج1 - ص235، وفجر الإسلام، أحمد أمين، ص56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت