وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر، فإن بعض نقاد الأدب، ادّعى أن أشراف الجاهلية، كانوا يأنفون من قول الشعر، فينهون أولادهم عنه، ويحتجون بقصة امرئ القيس مع أبيه، وأن أباه نهاه عن قول الشعر، فلمّا خالف أباه في وجوب ترك الشعر، واستمر على قوله، طرده بسببه، وأخرجه من داره.
"وقد غفل أكثر الناس عن السبب، وذلك أنه كان خليعًا، متهتكًا شبّب بنساء أبيه، وبدأ بهذا الشعر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرئاسة، فكان إليه من أبيه ما كان ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة، فهذه، وقد جازت كثرًا من الناس، ومرّت عليهم صفحا" [1] .
وربما أعرض عنه بعض الأشراف، لكن ليس لعيب فيه، بل لأنه وسيلة للتكسب. وكانوا يدركون قيمته تمامًا ويعيبون من يتكسب به فهو"لجلالته يرفع من قدر الخامل، إذا مدح بهن مثلما يضع من قدر الشريف، إذا اتخذه مكسبًا كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني في امتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان. هذا وإنما امتدح قاهر العرب،وصاحب البؤس والنعيم" [2] .
وهكذا فإن عالمًا"تخطى الكلمة فيه بأهمية كبرى هو عالم يقدر الموهبين. فربّ خطبة أو كلام مرتجل يقعان في محلهما، قد يغيران مجرى الحوادث. إن الشعر يستمد قوته من ذاته وتبقى مكانة الشاعر الملهم الاجتماعية ثانوية [3] ."
ويبقى نفوذ الشعر ذا دور مهم في حياة العرب العقلية، وتصرفاتهم الاجتماعية، وربما أهلك الشعر قبيلة برمتها، وهل أهلك عنزة وجرما وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا إلا الهجاء؟!..
(1) العمدة، لابن رشيق. ج1 - ص43. الطبعة الرابعة، بيروت 972.
(2) المصدر السابق: ص40 - 41. والبيان والتبيين، للجاحظ: ج1. ص241. - وصاحب البؤس والنعيم هو المنذر بن ماء السماء والد النعمان، وليس النعمان، وإنما القول"صاحب البؤس والنعيم"عن النعمان هفوة.
(3) تاريخ الأدب العربي بلاشير. ج2 /ص173 منشورات وزارة الثقافة.