والموت الذي نعنيه هنا هو الاسترقاق، ودخول حظيرة الحاكم و (اصطبلاته) والتحول إلى فرد في القطيع الذي يضم أكثر بطانات المستبدين، وحواشي الطغاة، وتضم هذه البطانات كل ذي ناب وذي ظفر وكل ذي مخلب من البشر، وهم من مختلف الألوان والأطياف. إذ لا يهم المستبد أن يكون الذئب أبيضًا أم أسودًا، المهم أن يصطاد فرائسه، وفرائسه في هذه الحالة هم أبناء الشعب ممن لم يدخلوا (بيت الطاعة) أو ينضموا إلى (القطيع) !
رأس بوجهين
من خصائص الأنظمة المستبدة امتلاكها لمادة (الديناميت) الاجتماعي، الذي يفجر أهرامات المجتمعات، فيقلب الحقائق ويزيف الوقائع، ويقلب السنن ذات الارتباط بالعلاقات بين الناس، حيث تقرب البعيد وتبعد القريب، تكبر الصغير وتصغر الكبير، تقدم من حقه التأخير، وتؤخر من حقه التقديم، تقدم (الخُبَرة) وتبعد أهل (الخِبرة) ترفع (العملاء) وتضع (العلماء) تدني الأكفَّاء وتقصي الأكفاء، تقف مع الأغنياء ضد الفقراء، ومع الأقوياء ضد الضعفاء، ومع الفاسدين ضد الشرفاء، وتنحاز إلى صفوف الملأ ضد الجماهير، وإلى (لوبيات) الظالمين ضد الصالحين، وإلى جماعات الأقلية ضد تيارات الأغلبية، وتبتكر كل يوم المزيد من الأوضاع والآليات والقوانين واللوائح التي تكرس الفوارق بين تخمة الفاسدين الأرقاء وإذلال الشرفاء الأحرار.
ويتضح من هذا أن السلطة تقسم الشعب إلى فئتين، بناء على القرب أو البعد من النظام:
الفئة الأولى: وهي تضم معظم الشعب وهي بقرة حلوب للفئة الأخرى حيث تتحمل واجبات الجميع. إذ تدفع رسومًا باهظة مقابل خدمات رديئة إذا وجدت أصلًا، من أجل تعويض النقص الحاصل جراء حصول الفاسدين على الكثير من الامتيازات والخدمات المجانية.