وقبل أن أختم مقالتي هذه أعرج على بعض الأعلام لنقل بعض أقوالهم ومواقفهم حول الحرية -وهي ضد الاستبداد- حتى لا يظن أحد أنني قد بالغت فيما كتبت، ويعرف الجميع أن المسألة هي حياة أو موت، حرية أو عبودية:
قيل أن الحكيم الصيني كونفوشيوش كان سائرًا ذات يوم في نفر من تلاميذه عند سفح جبل"تاي"، فشاهد عن بعد امرأة تنوح على قبر، فحث السير إليها، وعندما أقبل عليها بعث بتلميذه (تزي لو) يسألها ما مصيبتها. فدنا منها وقال: إنك تنوحين نواح من نكب مرة بعد أخرى، فقالت: والصواب ما قلت، إن وحشًا افترس أبي هنا، ونزلت المصيبة نفسها بزوجي، وها هو ذا ابني يسقى الردى من كأس واحدة، فقال الحكيم: ولماذا لا تبرحين هذا المكان وتلجأين إلى آخر فقالت: لأنه لا توجد حكومة مستبدة هنا، فقال الحكيم: تذكروا يا أبنائي هذا واحفظوه، إن الحكومات المستبدة شر من الوحوش المفترسة.
وربما كان هذا الشعور هو الذي حدا بالعرب إلى المكوث في الصحاري وعدم إقامة المدن والحضارات، فقد عرفوا بعشقهم للحرية إلى درجة الفوضى، وإلى حد أشعرهم بالغرور والكبر، رغم فقرهم المادي والثقافي. واتضح انحياز العرب الكامل إلى الحرية في شعرهم ونثرهم وأمثالهم، حيث يقول عنترة العبسي مثلًا:
لا تسقني ماء الحياة بذلة *** بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ويقول المثل العربي:"تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".
ونقل عن كسرى قوله: لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء سلطان قاهر أي حازم وقاض عادل وسوق قائمة أي فيها تجارة رابحة وطبيب عالم ونهر جار.