أما الطعن في المتن، فالنقاش معه سيأتي في الملاحظات التالية.
2 -أما عدم عموم الحديث، وأنه جاء خاصًا لشخص معيَّن سأله عن الوضوء، فغريبٌ أن يصدر مِنْ مثل الشيخ القرضاوي الذي كان دأبه الخوض في معاني النصوص، وإرسال الرشاء في أغوارها، فليس الكلام في عموم النص، وإنما الكلام في فقهه، وهو كافٍ؛ إذ لا فرق يُتخيَّل بين لقيط بن صبرة في هذا الحكم وبين غيره، وعلى مَنْ ادَّعى تخصيصه بلقيط أن يبدي لنا وجه اختصاصه، وسببه، وأنَّى، فعادت الدعوى تنطق على صاحبها الذي أقامها.
وظاهرٌ: أن مراد القرضاوي هو أن الحكم الوارد في واقعة عين ليس كالحكم الوارد في خطاب عام.
فنعم، والأمر كذلك:
لكن هذه الطريقة إنما تفيد في أحوالٍ دون أحوال، كالتعارض، فالعام البات أولى من الخاص المحتمل.
ثم إن استعماله هاهنا ضعيفٌ جدًا؛ إذ الكلام في أحكام الوضوء والصيام، وبخطابٍ قولي، ولرجلٍ وافدٍ عن قومه.
فما كل موضع يصلح أن يتطلب فيه الحكم العام البات، وما كل موضع يصلح أن يضعف الحديث المعين في القصة.
ويبدو أن القرضاوي توهَّم تعارضًا بين نصوص المفطرات العامة في قصرها على الأكل والشرب والجماع، وبين حديث لقيط بن صبرة، فرام توهين حديث لقيطٍ بها.
وهذا يفتقر إلى مقدمة، وهي إثبات المعارضة، وسيظهر من هذا البحث ضعف هذا التوهم، وأن حديث لقيط بن صبرة منتظمٌ تمامًا في نصوص المفطرات العامة، وعلى هذا عامة الأمة، وإن اختلفوا في فقهه، وطريقة نظمه مع نصوص المفطرات العامة، على ما هو مبين في هذا المبحث.
3 -ذكر القرضاوي: أن نهي الصائم عن المبالغة لا يلزم منه الإفطار.
وقد حاول ابنُ حزم أن يفرض هذا اللازم مقدَّرا، فذكر أنه لو قال امرؤ بإبطال الصوم بمجرد المبالغة في الاستنشاق، لكان أدخل في التمويه؛ لأنه ليس فيه وصول الماء إلى الحلق: أثر ولا عثير، ولا إشارة، ولا دليل، وإنما هو التكهن في السنن بما يوافق آراءهم.
أقول تعقيبًا على كلام الإمامين: وهو كذلك، ولذا لم يقل أحدٌ فيما أعلم أن الفطر يحصل بمجرد المبالغة في الاستنشاق، وإنما كان كلام الفقهاء وخلافهم فيما إذا وصل الماء إلى الداخل من المبالغة، وكان عامة كلامهم في فقه الحديث، وفي المعنى مِنْ استثناء الصائم من المبالغة في الاستنشاق، وأنه خوف وصول الماء إلى الجوف ولو لم يكن من منفذ معتاد.
4 -لم يميز الشيخ يوسف القرضاوي الاستدلال الصحيح بالحديث من الاستدلال الخطأ، حيث أهمل الاستدلال الصحيح للفقهاء من إلغاء وصف المنفذ [الفم] اعتبارا بالنافذ [الماء] ، واشتغل ببيان الاستدلال الخطأ منه، وإن وجود الغلط في بعض وجوه الاستدلال به عند الفقهاء لا يفسِّر الإعراض عن الوجوه الصحيحة من الاستدلال به.
تعليق على رأي ابن حزم والقرضاوي في عدم دلالة حديث"لقيط بن صبرة"على أحكام المفطرات:
كان هذا القول منهما مخالفًا لقول عامة أهل العلم:
••فابن حزم رحمه الله وإن احتُمِل هذا منه التفاتًا إلى أصوله الظاهرية فإنه يبقى أن مِنْ أصحابه الظاهريين ممن تقدَّموه: مَن اعتبروا حديث لقيط بن صبرة دالا على نهي الصائم على المبالغة في الاستنشاق، نصوا على هذا لظهوره في الحديث، مع ما هم فيه من الأصول الظاهرية.
••أما القرضاوي، فكان هذا القول منه انكسارًا في فروع مدرسته المعنوية، التي تكثر الالتفات إلى معاني النصوص، وأظن ظنا أن سبب ذلك هو مبالغته في تحديد الِإفطار بالأكل والشرب حتى إنه رجح - كما سيأتي - عدم الإفطار بالإبر المغذية التي تعطى للمريض بديلا للأكل والشرب، فمبالغته في التيسير كان لها أثر سلبي على أصله في المعاني.
••والذي جمع هذين الرجلين في الشذوذ بهذا القول هو الإفراط:
فابن حزم أفرط في الاقتصار على ظاهر اللفظ، والقرضاوي أفرط في الاقتصار على المفطرات المجمع عليها التفاتًا إلى التيسير.
ولا أشك: أن هذا القول مِن الشذوذ بمكان، ولولا ما غلب على جماعات من المعاصرين من الجنوح إلى ظاهر اللفظ، أو الاستغراق في معناه، لما كان للتعريج على هذا القول معنىً، ولو أتيت إلى عاميٍ، واستنفدت جهدك لتقنعه بكلام هذين الرجلين في عدم دلالة حديث لقيط بن صبرة على مفطرات الصيام لما اقتنع، لشدة ظهور المعنى فيه.
الاتجاه الثاني: توسيع دلالته على المفطرات:
وهذا - كما سبق - مسلك الجمهور، وغلب ذلك على فقهاء المذاهب الأربعة، على ما هو مسجَّل في مصنفاتهم مِنْ وقائع الاستدلال بالحديث، وإن كان المالكية أقل من غيرهم في ذلك.
وفي الجملة تتم عملية الاستدلال عندهم بهذا الحديث عبر مقدمتين ونتيجة:
فالمقدمة: أن الخشية مِن المبالغةفي الاستنشاق هو وصولها إلى الدماغ، ولو لم يكن كذلك لم يكن للنهى عن المبالغة معنى.
والنتيجة:
1 -أن الدماغ جوف، يفسد الصوم بوصول شيء إليه.
2 -عدم اعتبار المنفذ المعتاد.
وللفقهاء في تحقيق هذا الاستدلال تصاريف ترجع إلى تفسير أو توسيع أو تقييد بعض ما سبق:
ومن الوجوه الصحيحة التي قرروها: