دورة في مفطرات الصيام
دراسة تحليلية مقارنة بحسب قواعد الفقهاء وتناول المعاصرين
إعداد الشيخ /
فؤاد بن يحيى هاشم
دورة مفطرات الصيام الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين:
تنقسم الدورة إلى ثمانية دروس:
الدرس الأول: أركان الصيام الثلاثة:
الدرس الثاني: فقه حديث لقيط بن صبرة"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما".
الدرس الثالث: المفطرات الملحقة بالأكل والشرب.
وسيكون هذا الدرس على حلقات:
الدرس الرابع: المفطرات الملحقة بالجماع.
الدرس الخامس: قاعدة المذهب الأربعة في المفطرات. [الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة]
الدرس السادس: اتجاه تضييق دائرة المفطرات. [ابن عباس، البخاري، ابن حزم، ابن تيمية، القرضاوي]
الدرس السابع: أحكام القضاء والكفارة.
الدرس الثامن: أصحاب الأعذار.
للصيام ثلاثة أركان:
1 -الإمساك عن المفطرات، وهو موضوع هذه الدورة.
2 -النية.
3 -الزمان.
ولذا فمن الناسب الكلام بمقدمة عن هذين الركنين قبل الشروع في المقصود من الدورة وهو الكلام عن الركن الأول.
الركن الثاني من أركان الصيام:
الزمان:
وهو على قسمين:
1 -زمان وجوب، وهو شهر رمضان، وقد يجب صومٌ آخر لسبب، كقضاء أو نذر.
2 -زمان الإمساك عن المفطرات، وهو الأيام دون الليالي؛ فيشترط أن يكون الإمساك بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس في الأيام التي يجب أو يجوز الصيام فيها.
وقد أجرى الحنفية قولهم في هذه المسألة على الخلاف عندهم في مسألة الصلاة: هل المراد أول زمان الطلوع، أو انتشار الضوء، وبهذا نعرف أن مسألة الصلاة والصيام عندهم متلازمة وإن كانت قد تتقدم أو تتأخر بحسب ضبط الفجر، وقد ذكر ابن عابدين أن الأول أحوط، والثاني أوسع.
وقد حكي في المسألة خلافٌ قديم أن الصيام يبدأ من تبين الخيط الأبيض من الأسود، لا من زمن طلوع الفجر، وهذا مبني على عدم التلازم بين التبين وبين طلوع الفجر، ومنهم من علقه على العلم بالتبين لا بحصول التبين في نفسه.
وهذا الخلاف ارتفع بالإجماع العملي المستقر على أن الصيام إنما يبدأ مع طلوع الفجر، وعلى هذا المذاهب الفقهية كلها، وبها أفتى فقهاء الأمصار، وعليه عمل المسلمين المستمر إلى اليوم، ولذا وصف هذا القول بالشذوذ الذي لا يستحق التعريج عليه.
وإنما وقع الخلاف القديم بسبب اشتباه في معنى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وقد دل الإجماع على أن معناه حين طلوع الفجر، وهذا ما يتطابق مع دلالة اللفظة، فالتبين مسلط على الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهذا يكون مع أول الفجر.
ومنهم من حكى قولًا بأن الصيام يبدأ مع طلوع الشمس، وهو قولٌ غير محقق، ولم يصرح به أحدٌ من أهل العلم، وإنما هو خطأ في حكاية الخلاف.
وفي الباب حديث حذيفة، فعن زر بن حبيش قال:
(تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة فدخلت عليه فأمر بلقحة( [1] ) فحلبت وبقدر فسخنت ثم قال: كل، قلت: إني أريد الصوم قال: وأنا أريد الصوم، قال: فأكلنا ثم شربنا ثم أتينا المسجد فأقيمت الصلاة، قال: هكذا فعل بي رسو ل الله صلى الله عليه وسلم قلت: أبعد الصبح؟ قال: نعم هو الصبح غير أن الشمس لم تطلع) أخرجه أحمد والنسائي
وحديث حذيفة هذا قد أعيا أهل العلم معرفته، كما يقول الجوزجاني.
وإنما أعياهم لأنهم لا يحبون الشذوذ، أما أهل الشذوذ فما أسهل عليهم أن يأخذا بأثر ويهدموا من أجله مائة أثر!.
ولأهل العلم ثلاثة مسالك في الجواب عن حديث حذيفة:
1 -الطعن في صحته مرفوعا. [النسائي، ابن القيم، ابن كثير]
2 -الطعن في دلالته. [الطبري، ابن كثير، السندي]
3 -اعتباره منسوخًا. [الطحاوي، الخطيب البغدادي، المباركفوري]
وقد جعله الخطيب البغدادي مثالًا على النصوص المنسوخة بالإجماع في كتابه"الفقيه والمتفقه".
نشير إلى أن كثيرًا من الروايات عن السلف التي يحتج بها على هذا القول الشاذ ليست على مقياس واحد، فلا يصح حشدها كلها لهذا القول، وهي على اتجاهات:
الاتجاه الأول: ما يفيد أن الصيام إنما يبدأ من طلوع الفجر الصادق لا الكاذب.