وليست آيات كل نوع متصلًا بعضها ببعض، ولا مجموعة في سورة واحدة، بل الآيات الخاصة بالفرع القانوني الواحد مفرقة في عدة سور لأنها ما أُوحي بها إلى الرسول جملة واحدة ــــ وإنما أُوحي بها إليه مفرقة حسب الوقائع. ودونت كل آية حسب مناسبتها. فليست آيات المجموعة المدنية في سورة واحدة، وليست آيات العقوبات في موضع واحد. وقد عني بعض المفسرين بآيات الأحكام، فمنهم من أفردها بتفسير خاص، ومنهم من جمع آيات كل نوع وضم بعضها إلى بعض. وآيات الأحكام في القرآن هي التي تكون «فقه القرآن» وأول واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يحصي آيات الأحكام في القرآن، ويجمع آيات كل نوع منها، بحيث يكون بين يديه كل آيات القرآن في الطلاق، وكل آياته في الإرث، وكل آياته في البيع، وكل آياته في العقوبات وهكذا، ثم يدرس هذه الآيات دراسة عميقة، ويقف على أسباب نزولها، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنة ومن آثار الصحابة والتابعين، وعلى ما فسرها به المفسرون. ويقف على ما تدل عليه نصوصها وما تدل عليه ظواهرها. وعلى المحكم منها والمنسوخ وما نسخه.
فإذا درس هذه الآيات التشريعية حق درسها، استطاع إذا عرضت له واقعة أن يبين عن علم ما حكم القرآن في الواقعة بنص من نصوصه، أو بظاهر من ظواهره، واستطاع أن يحكم عن علم بأن القرآن لم يدل على حكم هذه الواقعة لا بنص من نصوصه، ولا بظاهر من ظواهره.
2)ــــ وبما أن ثاني مصدر يرجع إليه في الاجتهاد هو السنة، فيجب على من يستأهل للاجتهاد أن يكون على علم تام بالسنة، والمراد بهذا أن يكون على علم تام بالسنن التشريعية العملية القولية والفعلية والتقريرية. أي بما صدر عن الرسول من التشريع جزئياته وكلياته.