قال ابن مالك: وهو ما خفي معناه على أكثر النحويين. ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه: (( ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ) ) [12] .
وقول أنَس: (( فما كدنا أن نصل إلى منازلنا ) ) [13] .
وقول جبير بن مطعم: (( كاد قلبي أن يطير ) ) [14] .
قلت (والقائل ابن مالك) : تضمنت هذه الأحاديث وقوع خبر كاد مقرونًا بأن وهو ما خفي على أكثر النحويين، أعني وقوعه في كلام لا ضرورة فيه.
والصحيح جواز وقوعه، إلاّ أن وقوعه غير مقرون بأن أكثر وأشهر من وقوعه مقرونًا بأن، ولذلك لم يقع في القرآن إلاّ غير مقرون بأن نحو:"وما كادوا يفعلون" [15] "لا يكادون يفقهون حديثا" [16] "ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم" [17] "يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار" [18] .
ولا يمنع عدم وقوعه في القرآن مقرونًا بأن من استعماله قياسًا، لو لم يرو سماع؛ لأن السبب المانع من اقتران الخبر بأن في باب المقاربة هو دلالة الفعل على الشروع كطفق، وجعل، فإنّ (أنْ) تقتضي الاستقبال وفعل الشروع يقتضي الحال فتنافيا. وما لا يدل على الشروع كعسى، وأوشك، وقرب وكاد، فمقتضاه مستقل فاقتران خبره بأن مؤكد لمقتضاه فإنها تقتضي الاستقبال، وذلك مطلوب. فإذا انضمَّ إلى هذا التعليل استعمال فصيح، ونقل صحيح كما في الأحاديث المذكورة تأكّد الدليل، ولم يوجد لمخالفته سبيل.
وقد اجتمع الوجهان في قول عمر رضي الله عنه: (( وما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ) ) [19] .
ومن الشواهد الشعرية في هذه المسألة قول الشاعر:
أبيتم قبول السّلم منّا فكدتمو
لدى الحرب تغنون السيوف عن السّل [20]
وهذا الاستعمال مع كونه في شعر ليس بضرورة لتمكن مستعمله من أن يقول:
أبيتم قبول السّلم منا فكدتمو
لدى الحرب تغنون السيوف عن السّل
1 -رفع المستثنى بعد إلاّ:
من ذلك قول عبدالله بن أبي قتادة رضي الله عنهما: أحرموا كلهم إلاّ أبو قتادة لم يحرم [21] . وقول أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كل أمتي معافىً إلا المجاهرون" [22] .
قال ابن مالك: حق المستثنى بإلاّ من كلام تام موجب أن ينصب مفردًا كان أو مكملًا معناه بما بعده.
فالمفرد نحو:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" [23] .