إن الأحكام الشرعية تامة كاملة لا يحتاج إلى غيرها معها (103) ، وهي واضحة بيّنة من خلال الوضوح المتجسد في دلالة النصوص عليها؛ إذ الدلائل الشرعية غاية في الجلاء والبيان في ذاتها، وسبيل البيان الشرعي هو ظاهر الدلالة اللفظية؛ حيث لا مقصود للشارع وراءه (104) . وبالتالي فدعوى الاحتجاج لغير ظواهر النصوص يقتضي نسبة التعمية على العباد من قبل خالقهم او نسبة التقصير في التبليغ من قبل النبي صلى الله عليه و سلم"وهذا ما لا يجوز لمسلم أن يخطره بباله" (105) . يقول تعالى:"ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" (النحل 89) ويقول تعالى:"وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" (النحل 64) ويقول تعالى:"بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل 44) .
ويقول تعالى:"ما فرّطنا في الكتاب من شيء" (الأنعام 38) .
وعليه ففرض ورود الاحتمال المشكل في سبيل الاستدلال فرض غير عائد لذات النص الشرعي، بل لعوارض عرضت للمستدل في سبيل استظهاره للحكم وتبيُّنه، كتقصير في النظر أو انشغال بال أو غفلة ونحوه، فالواجب عندها إسقاط حظ الاحتمالات الواردة في سبيل الاستدلال على الظاهر اللفظي (106) . واعترض على هذا الاستدلال بأنه لا يُنازع أحد بأن الأحكام قد تمت ودلل الشارع عليها بصورة واضحة، غير أن فرض انحصار الدلالة الشرعية بالظاهر اللفظي دون بقية الدلالات الشرعية على المعاني والأحكام أمر غير مسلَّم؛ إذ يقتضي توهين الدلالة المعنوية للنصوص من أن تدل على أحكام الوقائع النازلة التي لم تتناولها بالدلالة نصًا، ويلزم عن هذا أحد لازمين:
الأول: الإقرار بأن الشريعة قصرت عن إمداد هذه الوقائع المستجدة بالأحكام من معينها، والتالي باطل بالإجماع.