وأورد على هذا التوجه: إن مسائل علم أصول الفقه تُعنى بضبط قواعد التلقي والفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن كان ثبوتها مما يتساور إليه احتمال الإخلاف لكانت أصول معارف دين الإسلام ثابتة بالظن ويتساور إليها احتمال الإخلاف، وهذا على خلاف التحقيق المتفق عليه بين طوائف أهل دين الإسلام (111) .
يجاب عنه بأن قواعد أصول التلقي والفهم عن الشارع قطعية أو قريبة من القطع، وسبيل إثبات هذه الأصول هي الظواهر المتأثرة المتعاضدة على تأكيد معانيها بما يكون ورود الاحتمال - مع تكاثرها - نادرًا بل قل منعدمًا.
وعليه فاشتراط اطّراح الظواهر وما يغلب على الظن ثبوته طلبًا لقطعية قواعد الأصول غير لازم (112) . وبعد استعراض أدلة الاتجاهات الأصولية في هذه المسألة، فالذي يترجح لدي هو الاتجاه الأصولي الثالث المقرر لسلامة الاستدلال و إن ورد عليه الاحتمال؛ لأن مجرد وروده لا يؤثر على ظهور دلالة الدليل على معناه في المسائل الأصولية، والسبب في ترجيح هذا التوجه الأصولي؛ لأنه يفسح المجال رحبًا أمام الاستفادة من الطاقات الدلالية المضمنة في الدلائل الشرعية بغير تحييد لها - كما في الاتجاه الأول - أو إضعاف لمقتضياتها - كما في الاتجاه الثاني -.
المطلب الثاني
أثر ورود الاحتمال على دلالة المفهوم
بعد أن تقدمت الإشارة إلى أقوال الأصوليين واتجاهاتهم في أثر ورود الاحتمال على دلالة المنطوق، يرد السؤال على أثر ورود الاحتمال على دلالة المفهوم؟ لا يخفى على المطالعين لمسائل هذا الفن - أعني أصول الفقه - أن المفهومات عند القائلين بها تنقسم إلى قسمين: الأول: مفهوم الموافقة. الثاني: مفهوم المخالفة.