وعليه لا بد من دراسة هذين القسمين كل على حدة لتظهر أقوال الأصوليين في أثر ورود الاحتمال على دلالة المفهوم. غير أنه يحسن بي قبل هذا الإشارة إلى أن إثبات المفاهيم كأصول استدلالية هل يشترط فيها القطعية أولًا؟ يجاب عن هذا السؤال بأن الخلاف في اشتراط القطعية في المفاهيم يتخرج على المذاهب الأصولية الثلاثة المتقدمة الذكر، فلا حاجة بي إلى إعادة ذكرها، والراجح هو عدم اشتراط القطعية فيها كما تقدم بحثه في الاستدلال بظاهر المقال.
أولًا: مفهوم الموافقة:
يعرّف مفهوم الموافقة بأنه: دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه؛ لاشتراكهما في معنى يدرك كل عارف باللغة أنه مناط الحكم من غير حاجة إلى نظر واجتهاد (113) . ويرى جماهير الأصوليين (114) أنه لا يشترط لصحة دلالة مفهوم الموافقة على الأحكام أن تنقطع عن سبيل دلالته طروء الاحتمالات؛ إذ قرروا أن مفهوم الموافقة في دلالته على الأحكام في غير محل النطق على ضربين: قطعي وظني (115) . يمثلون للدلالة القطعية بقوله تعالى:"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا" (الإسراء 23) .
فالآية قد نهت عن التأفف للوالدين، ولفظة"أف"اسم فعل يدل على التضجر، والعارف باللغة العربية يدرك عن طريق السياق أن المعنى الذي ورد التحريم من أجله هو الإيذاء والإيلام الصادر من الابن لأحد أبويه، ولفظة"أف"هي أقل الصور المقتضية لهذا المعنى، فيدل النص بمفهومه على تحريم الضرب والشتم ونحوه من باب أولى؛ لتحقق معنى الإيذاء والإيلام فيها على وجه آكد.
ويمثلون للدلالة الظنية بقوله تعالى:"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا خطأً ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا" (النساء 92) .