فالآية دالة على وجوب الكفارة على القاتل خطأ، والملاحظ لمعنى الآية يتبادر إلى فهمه أن ترتيب الكفارة على القتل إنما كان لزجر القاتل عن القتل على وجه يحقق المحافظة على النفس؛ لذا فالنص يدل بمفهومه على إيجاب الكفارة على القاتل عمدًا من باب أولى؛ لأن مقتضي الزجر في حقه أعظم تحققًا منه في حالة القتل خطأ.
لكن قد يقال: لعل الشارع أوجب الكفارة في القتل الخطأ؛ لأنها جابرة للمأثم، غير أنه:"لا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثم أدنى الجنايتين أن تكون رافعة لإثم أعلاهما" (116) .
وقد حكى الجويني (117) والمازري (118) عن بعض الأصوليين ممن يذهب مذهب الوقف في المسائل الأصولية أن المفهوم إن تطرق إليه أدنى احتمال كساه ثوب الإجمال ويبطل به الاستدلال. وعليه فلا يرى هذا الفريق من الأصوليين صحة الاستدلال بمفهوم الموافقة إن كانت دلالته في غير محل النطق ظنية طردًا لأصلهم في دلالة المنطوق - كما تقدم -.
ثانيًا: مفهوم المخالفة
ويعّرف بأنه: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دل عليه المنطوق؛ لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم (119) .
ويمثل عليه بقوله تعالى:"ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات" (النساء 25) .
النص دال بمنطوقه على إباحة نكاح الحر للأمة المؤمنة فيما إذا كان عاجزًا عن طول الحرائر من المؤمنات، وقيّد هذا الحكم بقيد ورد في صورة شرط كما في قوله تعالى:"ومن لم يستطع منكم طولًا".
وعليه فإن هذا القيد لو انتفى في حالة ما باقتدار الحر نكاح الحرة، فإن النص يدل بمفهومه المخالف على حرمة نكاح الأمة لانتفاء القيد الوارد على الحكم. ويرى المحققون من الأصوليين (120) أن دلالة مفهوم المخالفة على الحكم في غير محل النطق تحصل بغلبة الظن ولا يرتقي في الجملة مرتقى القطع واليقين.