الصفحة 29 من 52

غير أنهم اختلفوا (121) في أثر ورود الاحتمال على القيد المخصّص للمنطوق بالحكم، فهل يشترط فيه أن يتمحض القيد الوارد في النص لإفادة نفي الحكم عن غير المقيَّد المنطوق به، بأن ينتفي كل احتمال لفائدة تشريعية غير هذه الفائدة المعينة؟

ذهب جمهور الأصوليين (122) من القائلين بمفهوم المخالفة إلى اشتراط تمحّض دلالة القيد على إفادة نفي الحكم عن غير المقيد المنطوق به، بحيث لا يفيد فائدة تشريعية أخرى، فينقطع كل احتمال بكينونة القيد خرج مخرج الغالب أو جيء به لبيان الامتنان أو التهويل والتفخيم أو ورد في محل رفع إشكال وحل إعضال أو أية فائدة تشريعية أخرى.

وعليه يرى هذا الفريق أن القيد إن دل على فائدة غير فائدة التقييد المحض بطل الاستدلال بدلالة مفهوم المخالفة لان المفهوم المخالف لازم عقلي مستفاد بدلالة المنطوق على تعيّن القيد لتخصيص الحكم وتقييده، وورود الدلالة المثيرة لاحتمال فائدة أخرى يرفع الملازمة العقلية؛ لعدم التعيّن لإرادة التقييد فتكسى الدلالة بثوب الإجمال لقيام مثار الاحتمال (123) .

وهذا الرأي ينقله الأصوليون عن الشافعي نفسه (124) ؛ إذ يذهب إلى أنه"إذا تردد التخصيص بين تقدير نفي ما عدا المخصًّص وبين قصد إخراج الكلام على مجرى العرف فيصير، تردد التخصيص بين هاتين الحالتين كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال فيلتحق بالمحتملات" (125) .

وخالف في هذه المسألة إمام الحرمين الجويني (126) ، إذ يرى أن خروج القيد مخرج الغالب المعتاد لا يبطل دلالته على نفي الحكم عن غير المقيد، وإن كان يفتح عليه سبل التأويل، وقد وافقه على هذا الرأي الشيخ العز بن عبد السلام (127) .

ويتخرج من هذا الرأي على أن دلالة القيد على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه تعد دلالة لفظية نطقية، وورود الاحتمال عليها لا يلحقها بالإجمال (128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت