الصفحة 31 من 52

أما ما ذهب إليه الجويني حاصله رد العمل بمفهوم المخالفة (132) ؛ لأنه قصر فائدة القيد على الدلالة على العلة تنبيهًا، فكان نفي الحكم عن المسكوت عنه الذي انتفت عنه العلة إنما هو من آثار عكس العلة بنفي الحكم لانتفائها، وهذا خروج عن استفادة الحكم عن طريق المنطوق والمفهوم وإحالته على العرف الشرعي المقرر بدوران الحكم على علته وجودًا وعدمًا، لذا احتمل أن يكون القيد عنده ذا دلالة على فوائد تشريعية غير تخصيص الحكم وتقييده.

وأختم كلامي في هذا المقام ببيان الفرق بين العلة والقيد في إفادة نفي الحكم عن الواقعة المسكوت عنها، فأقول: إن العلة هي السبب الموجب للحكم ابتداءً والذي من شأن ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة مقصودة مبتغاة؛ لذا فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

أما القيد فهو بمثابة الشرط المعتمد في تطبيق الحكم، والذي من شأن إعمال الحكم في ظله التأكد من صحة جريان الحكم على علته على وجه يوافق مراد الشارع ومقصوده؛ وبهذا يظهر أن العلة مقصودة لذاتها في مشروعية الحكم دون القيد، إذ ليس القيد"هو السبب الموجب للحكم ابتداءً، ولا هو الباعث على تشريعه، ولكنه حالة للحكم أو ظرف من ظروفه أو شرط مقارن لعلته يحدد مجال تطبيقه فيجعله قاصرًا على تلك الحالة دون سواها من الحالات" (133) .

المطلب الثالث

بناء الاستدلال على مجرد الاحتمال

تضافرت آراء الأصوليين (134) على عدم الاعتداد بالاستدلال المبني على محتمل من محتملات الدليل مما لم يرتق إلى رتبة الظهور والتبادل بغلبة الظن في الدلالة؛ لذا اعتُبر سالك هذا المسلك في الاستدلال"مجاوزًا حد النظر متعديًا مسلك الجدال مائلًا إلى الانحلال" (135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت