5.إن نص الشارع إنما يستحق اسم دليل إذا كان ذا دلالة واضحة على مدلول معين، فإذا كان النص مما تتعاوره الاحتمالات المعنوية غير الممتازة بمزية دلالة فيما بينها لا يكون اللفظ عندئذ ذا دلالة على مدلول معين ولا يستحق اسم دليل، فيسقط عن محل الاعتبار (150) . وإذا كان ذات دلالة على مدلول معين وعارضته الاحتمالات المعنوية الضعيفة فالعمل بواحد منها مع الإضراب عن المدلول الظاهر في دلالة النص إضراب عن مقصود الشارع (151) في التفهيم والإفادة (152) ، ولا معنى لهذا إلا العمل بمقتضى الهوى في مقابلة مقصود الشارع، والهوى في الشرعيات مطرّح باطل، فيسقط العمل بالاحتمال المقابل للظاهر عن محل الاعتبار، فيظهر بهذا أن العمل بمجرد الاحتمال غير المستند لدليل مرجح باطل لا سبيل إليه. يقول الجويني:"إذا ثبت جواز التأويل فلا يسوغ التحكم به اقتصارًا عليه من غير عضد له بشيء، إذ لو ساغ لبطل التمسك بالظواهر، واكتفى المستدل عليه بذكر تطرّق الإمكان إلى الظاهر، وهذا إن قيل به يُسقط أصل الاستدلال، ويُلحق مجال الإجمال بما يُطلب فيه العلم المحض" (153) .
فائدة:
اعتبر الحافظ ابن حجر العسقلاني (154) أن من القرائن التي تصرف دلالة الأمر عن وجهها من الوجوب إلى الندب تعليل الشارع الفعل المأمور به بمجرد احتمال حصول شيء ووقوعه؛ ذلك أن تعليق الأمر الشرعي لازم التحقيق على مجرد احتمال يقلل من دلالة اللزوم في الأداء والتحتيم في الطلب، فيكون هذا علامة الخروج من دلالة الإيجاب إلى الندب، ويمثل له بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (155) .