أمر النبي صلى الله عليه وسلم من استيقظ من النوم بغسل يده بصيغة الأمر (فليغسل) وهي إن تجردت عن القرينة الصارفة دلت على وجوب غسل اليد بعد الاستيقاظ من النوم، وعلل هذا الحكم باحتمال ممارسة اليد لموضوع النجاسة أثناء النوم، فكان احتمال ممارسة اليد للنجاسة علة الأمر بغسل اليد، ولما كانت هذه العلة - ممارسة النجاسة - لا تعدو عن احتمال يقابله نقيضه من عدم الممارسة للنجاسة كان تعليق الأمر على مجرد الاحتمال موهنًا لتحتيم الطلب ولدرجة الإلزام به، فدل هذا على صرف دلالة الأمر من الوجوب إلى الندب.
المطلب الرابع
أثر ورود الاحتمال العقلي في رفع قطعية دلالة المحكم (النص)
إذا ورد على الدليل الشرعي الذي تجلى في دلالته على معناه إلى درجة انقطعت معها الاحتمالات الوضعية والشرعية؛ احتمال عقلي فهل يؤثر ورود هذا الاحتمال على قطعية الدليل بحيث يحيل القطعية إلى الظهور وغلبة الظن؟
لقد انقسم الأصوليون في هذه المسألة إلى مذهبين:
الأول: ومفاده أن القطعية لا تثبت إلا بانقطاع كل احتمال يرد على دلالة الدليل سواءً كان الاحتمال وضعيًا أو لغويًا أو شرعيًا أو عقليًا.
وقد أم هذا المذهب عموم متكلمة الاصوليين كأبي بكر الباقلاني (156) ، وأبي الحسن البصري (157) ، والجويني (158) ، وهو ما نصره الغزالي في المستصفى (159) ، والرازي (160) ، وابن السبكي (161) ، وغيرهم (162) . وعامة مشايخ الحنفية من السمرقنديين (163) .
الثاني: ومفاده أن القطعية تثبت بانقطاع كل احتمال يستند إلى دليل، أما ورود الاحتمالات العقلية التي يثيرها العقل فلا تؤثر على قطعية الدليل الشرعي.