وقد أمّ هذا المذهب عموم مشايخ الحنفية من العراقيين (164) ، وهو ما نصره الغزالي في المنخول (165) ، وابن قدامة المقدسي (166) ، والقرافي (167) ، والشاطبي (168) ، وغيرهم (169) . يُستدل للفريق الأول بأن مقتضى لفظ القطعية في اللغة هو الانقطاع عن جنس ورود الاحتمال بغض النظر عن مصادر إثارته، وتحقيق مدلول اللفظة لغة أمر لا محيص عنه (170) .
ثم إن ورود الاحتمال يُخل بالقطيعة في الجملة؛ لأن الاحتمال البعيد كالقريب في العقليات، ويمكن أن يكون الاحتمال وإن تجرد عن الدليل مرادًا باللفظ، وإن كان الأمر كذلك فيكيف يُدّعى قطعية دلالة الدليل (171) ؟!
ويستدل للفريق الثاني بأن الاعتداد بكل احتمال يرد على دلالة الدليل - وإن كان عقليًا - ينفي القطعية عن الدلائل الشرعية في الجملة، والتالي باطل لتقرر قطعية بعض المقدمات عند مختلف الطوائف، وإن ورود بعض الاحتمالات أو الشبهات عليها لا ينفي عنها صفة القطعية (172) .
وقد ذهب فريق من الأصوليين إلى اعتبار أن الخلاف في المسألة يرجع إلى اللفظية والاصطلاح ولا مشاحّة فيه.
قبل البوح بما يترجح لدي في هذه المسألة، لا بد لي من التفريق في استعمال لفظة القطعية بين اعتبارين:
الأول: استعمال القطعية باعتبارها دلالة شرعية ذات أثر في دلائل الشرع وتوجيه الاستدلال.
الثاني: استعمال القطعية باعتبارها دلالة صناعية فنية يتداولها أهل فن أصول الفقه.
فعلى الاعتبار الثاني لا أظن أن أحدًا يخالف في أن المسألة ترجع إلى مجرد اللفظية والإصلاح ولا مشاحّة فيه. أما على الاعتبار الأول فالقول بلفظية الخلاف بعيد - فيما يلي -؛ لأنه يترتب عليه خلاف في مسألة أصولية لها فروع فقهية عديدة، هذه المسألة هي: دلالة العام على أفراده بين القطعية وغلبة الظن؟