الصفحة 39 من 52

فمن اعتبر أن القطعية تعني قطع كل احتمال ناشئ عن دليل، قال: دلالة العام على أفراده قطعية؛ لعدم قيام احتمال ناشئ عن دليل يصرف العام عن عمومه (174) ، ومن اعتبر أن القطعية تعني قطع كل احتمال يرد على الدليل حتى لو كان الاحتمال عقليًا. قال: دلالة العام على أفراده تفيد غلبة الظن؛ لأن احتمال التخصيص قائم بوروده مطردًا في عمومات النصوص، فيكون احتمال التخصيص في العام المعيّن يجري مجرى الاحتمال العقلي الرافع لقطعية دلالته (175) .

والذي يترجح لدي المذهب الثاني وهو أن القطعية تثبت بانقطاع كل احتمالٍ ينشأ عن دليل، ولا عبرة بورود الاحتمالات العقلية المجردة عن الدليل؛ لأن الأدلة في دلالتها على معانيها المقصودة بها قد توسلت الوضع اللغوي أو الإصلاح الشرعي في الدلالة فيكون ما يثيره العقل من احتمالات مجردة ترد على الاستدلال خارجة عن سبيل الدلالة على المعاني أصلًا. ولو فتحنا هذا السبيل لما حصل لنا الوثوق بدليل من أدلة الشرع (176) ، إذ العقل لا يفتأ يورث الاحتمالات المعنوية الواردة على الدلائل اللفظية بما يفضي إلى جعل نصوص الشرع مجملة ملتبسة والتالي باطل؛ إذ الله تعالى قد أنزل كتابه مفصّلًا مبينًا، والتفصيل ضد الإجمال والالتباس (177) ، يقول الله تعالى:"وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلًا" (الأنعام 114) وبناءً على هذا الأصل فقد نعى الشاطبي (178) على الذين يأخذون المعاني من دلائل الشرع بحسب ما يعطيه العقل فيها من الدلالة لا بحسب سبيل الوضع اللغوي أو العرف الشرعي، وفي هذا منهجيًا"فساد كبير وخروج عن مقصود الشارع" (179) . وعليه فقد تنبّه الجويني (180) والشيرازي (181) إلى أن الجريان في فهم نصوص الشرع على مقتضى العربية في ألفاظها وأساليب دلالتها على المعاني ضرب من ضروب التعبد في فقه الألفاظ الواردة في نصوص الشرع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الخاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت