الصفحة 51 من 84

الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والجلوس بالطرقات"، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال:"إذ أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:"غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (1) . وجه الدلالة من الآيتين والآثار بعدها: أن الله أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، ثم بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر (2) ، فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟ والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير (3) .

وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: { يَعلَمُ خُائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُدُورُ } فكيف تكون المخالطة؟

وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقع البصر عما أمر الله بحفظه عنه، وإذا كان الذي يفضي إلى الوقوع في المحظور يلزم منه وقوع المحظور، ففعله حرام عند من قال بسد الذرائع وعند من لم يقل (4) ، فهو بمثابة ما لا يتم الامتثال إلاّ به، وعلى أقل الأحوال هو بمثابة"الذرائع"التي تفضي إلى المحظور غالبًا، وقد ذكر أهل العلم أن الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمه.

(1) صحيح البخاري 5/2300، ومسلم 3/1675.

(2) انظر رسالة العلامة محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط ص4.

(3) خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله، للعلامة ابن باز رحمه الله، وهي في مجموع الفتاوى والمقالات 1/420. ط دار القاسم 1418.

(4) انظر البحر المحيط 8/90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت