الصفحة 184 من 254

وتعالى.

3 -في مجيء لفظ (كان) مع لفظ (غفار) (فلم يقل: إنه غفار) ، بيانٌ بأنه سبحانه كان غفارًا في حق كل من استغفره. كأنه يقول: لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن، بل هو أبدًا هكذا [1] ، فهي صفة قائمة بذاته سبحانه وتعالى فما أكرم ربنا وأرحمه وأرأفه، فهو جل جلاله غفار للتائبين المستغفرين، والمراد من كونه غفارًا: كونه مُريدًا للمغفرة، ومن أعطي الاستغفار لا يمنع المغفرة؛ لأنه تعالى قال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [2] .

4 -في قوله تعالى: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [3] بيان لقدرة الله تعالى، فلفظ(يرسل) يدل على القدرة والقوة والتمكن، والماء موجود في طبقات الجو العليا، والله تعالى يرسله بقدرته على من يشاء، ويمسكه عمن يشاء.

5 -ويشعر لفظ (مدرارًا) بالرحمة في العطاء، فهو مطر هادئ متواصل النزول كثير الانصباب، ينشأ عنه الرزق والخير العميم، ويرى أثره خيرًا في كل جانب من جوانب الحياة يقال: سنة دارة، أي كثيرة الخيرات، وعطاء مدرارٌ، أي متواصل، فاللفظ مشعر بالخير في العطاء وأنه خير متوالٍ.

6 -جاء قوله تعالى: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (جوابًا للأمر(استغفروا) ولم يأت جواب الأمر بصيغة (يغفر لكم) في مقابلة (استغفروا) ، بل جاء بصيغة (يرسل) ترفقًا بهم ومراعاة لأحوالهم، وقد كان قوم نوح أهل فلاحة وزراعة، فلذلك وعدهم بالعوائد العاجلة التي هي أوقع في قلوبهم وأحب إليهم، إذ النفس مولعة بحب العاجل، خاصة وأنهم قحطوا سنين طويلة، وأعقمت نساؤهم أربعين سنة، وذلك ليرغبوا في هذه العوائد العاجلة ويشاهدوا أثرها وبركتها، فالاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات [4] ، كما أن المعصية سبب لخراب الديار بظهور أسباب العقاب الإلهي فيها، فقوم نوح لما كذبوه بعد تكرير الدعوة لهم عاقبهم الله تعالى، ثم وعدهم إن آمنوا بأن يرزقهم الخصب، ويدفع عنهم ما كانوا فيه، وذلك هو الموافق للحكمة؛ لأن الله

(1) تفسير الفخر الرازي مجلد (15) جزء (30) صفحة (138) .

(2) سورة نوح: (10) .

(3) سورة نوح: (11) .

(4) تفسير الخازن (4/ 345) وتفسير القرطبي (18/ 302) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت